مجيد مرهون يروي سيرته لـ " الوقت .. ويرحل"2" "
التقيته في سبتمبر 2009..لأدون سيرته.. فكان هذا آخر لقاء له في حياته..
مجيد مرهون قبـل وفاتـه: هــذه سـيرتي الفنية " 2-2"
يدونها يوسف محمد:
بالأمس، وعبر صفحات الوقت، دوّنت الجزء الأول من سيرته.. ولقائي به والذي يعد آخر لقاء أجري معه قبل أن يودعنا ويرحل بصمت.. وعلى كثرة الاتصالات والرسائل التي تلقيتها بالأمس وملاحظات ومتابعة محبيه وزملائه، على قدر حزني بأن هذه السيرة نشرت كان مجيد يتطلع إليها.. فهي الآن يقرأها الجميع .. إلا هو! بعد أن تركنا وتوسد قبره، فعذراً (بورضا) كان إحساسك أقوى مني، لقد رحلت وتبعتك سيرتك.. التي هي حاضرة وستظل خالدة بيننا.. ففي الجزء الأول تناولت سنوات حياته الأولى ورحلته الفنية وانضمامه لفرقة الأنوار وتأسيس فرقة موسيقية للمواكب الحسينية، كذلك تطرقنا إلى قصة اعتقاله ودخول السجن بعدما حكم عليه بالمؤبد.. وهنا نكمل السيرة كما سجلتها منه ''رحمة الله عليه''.
متطلعاً ان تكون هذه السيرة نبراساً للأجيال القادمة وسيرة نضعها بإطار من الحب نستذكرها في كل مرة عندما نقرأ صفحات تاريخ هذا الوطن ونستعرض سيرة مبدعينا ودورهم الفني وأعمالهم الخالدة، متمنياً أن تفي هذه السيرة بما وعدته به..وأن أكون وفياً له حتى بعد رحيله.
نغمات في الزنزانة ..
ظل يواصل إبداعه الفني متخذاً من الليل وقضبان الحديد وجدران الزنزانة إلهاماً لأعماله الفنية، ولم يسمح للحزن أن يتملكه، ولم يفقد الأمل بل كان سجين الجسد طليق الروح والفكر.. لم تقيد مشاعره سلاسل الحديد التي قُيدت بها يده ورجله، ولا في يوم قد ضاق به الفكر كما هي زنزانته.. بل كان يرى الأمل ويحسه ويدركه، وهناك في ذلك المكان- والكلام لمجيد- بدأت أحلق في عالم آخر، ألحن وأقوم بتأليف السيمفونيات بخيالي وأسمعها بمشاعري، أعزفها بيدي وأنا أوهم نفسي بأني أعزف آلة ثم انتقل لآلة أخرى.. وأنا اسمع أصواتهم بداخلي، وكنت في كل مرة انتهي من عمل فني، تُهرّب هذه الأعمال إلى الخارج وأعلم بعد ذلك بأنها تُعزف وتدرّس وإنهم مبهورون بما أقدمه، وكان هذا دافعا كبيرا لي لمواصلة ما أحسه وأشعر به وكنت أقول لنفسي (جسدي في السجن وبين القضبان ولكن مشاعري وأحاسيسي تتنقل بين بلد وآخر، تعبر عني وتحس بي.. إنها لغة العالم لغة الموسيقى).
ولكن متى وأين تعلم مجيد كتابة النوتة وقراءتها؟
يقول ''في الفترة الأولى التي بقيت فيها في السجن الانفرادي زنزانة رقم 26- كنت أتأمل فقط وألحن بإحساسي، وفي العام 1973 طلبت من مدير السجون وأقنعته بالسماح لي في الحصول على عدد من الكتب الموسيقية لأثقف نفسي موسيقياً وقت الفراغ!(أوكلت لي بعض مهام الصيانة الكهربائية في ''جزيرة جِدا'' حينها)، وسمح لي بذلك وبدأت أنكب على قراءة كل شيء عن الموسيقى وسير الفنانين والموسيقيين، وكأني في معهد أو جامعة. أنهيت 4 سنوات وأنا أدرس النظرية الموسيقية وأغوص في بحورها، واستطعت أن أتقن كل فنون الكتابة والقراءة الموسيقية. تعلمت ذلك دون موجه أو معلِّم، سهل علي، وساعدتني نشأتي الفنية وخبرتي السابقة في الموسيقى، وكذلك ما توافر لي من الكتب والمصادر''. قدّم مجيد خلال هذه الفترة عددا من المؤلفات الجميلة، ويعتبر عمل (الذكريات) هو البداية والانطلاقة له في عالم التأليف، بعدها قدم مقطوعة حنين وجزيرة الأحلام التي كانت معبِّرة بصدق عن مشاعر المساجين وأحلامهم وآلامهم.
" طريقنا ".. بدأ خارج السجن واكتمل بداخله
في العام 1965 نشرت في أحد أعداد (نشرة الجماهير) أبيات تدعو للسير نحو تحقيق الهدف والغاية التي يسعى إليها الشعب، فوقعت في يد مجيد وتفاعل معها، وقام بتلحينها، وكان ذلك قبل دخوله المعتقل وهي:
طريقنا انت تدري
شوكٌ، وعرٌ، عسيرُ
موتٌ على جانبيه،
لكننا سنسيرُ
إلى الأمام، إلى الأمام، إلى الأمام سنسيرُ ...
وظل هذا النشيد يردد بين أصدقائه وزملائه، وبعد محاكمته ودخوله السجن سنة 1968 أضاف إليه عددا من الأبيات ليكون جزءاً مكملاً للنص الأول بعد أن أضاف إليه لحناً جديداً:
فهُبوا جميعا أسود النضال
وضحَوا وثوروا لأجل أوال
وزكوا دماءً وحققوا المحال
لتحرير شعبٍ من الاستغلال
وقد أكد ذلك الفنان سلمان زيمان من خلال الورقة التي قدمها في 20 مارس 2005 في محاضرته والتي هي بعنوان (الأغنية الوطنية) حيث ذكر بأنه في العام 1985 التقى أحمد الشملان برفيقه مجيد مرهون بين جدران المعتقل، وتناغما سوياً فنون الموسيقى والشعر المقاوم، فكتب الشملان الشطر الثاني من هذا النشيد صاغه أهزوجة ثورية جامحة، ولحنها مجيد احتفاءً بمرور ثلاثين عاما على نضال وتأسيس جبهة التحرير الوطني البحراني، وجاءت كالتالي:
يا جبهة التحرير سيري
نجماً يضيء الدروبا
وعلًمي الكادحينا، كيف انتصار الشعوب
وشعبنا، عمالنا، معلمٌ في الخطوب
ثلاثون عاماً سقاها النضال
صمودٌ وعزمٌ شديد المحال
سقاها انتصارٌ وعزمٌ جديد
لوطنٍ حرٍّ وشعبٍ سعيد
وقد أضيف لهذا النشيد أبيات مكملة صاغها الفنان سلمان زيمان، ولازال هذا النشيد يردد في الكثير من المناسبات.
وفاة والدته..
وبينما هو يتعايش في عالمه الخاص، جاء خبر وفاة والدته، وكان ذلك في 13 يونيو ,1981 حيث يصف مشاعره في ذاك اليوم.. '' لم أصدق الخبر في بادئ الأمر، كنت أعتقد بأنه محاولة جديدة لبث اليأس فيّ أو لإضعافي.. وعندما تأكدت من ذلك حزنت كثيراً فأصبحت الدنيا عندي سواداً، ولم أضق طعم الحسرة والألم مثلما أدركته في وفاتها''.. كان مجيد متعلقاً بوالدته كثيراً، وكانت هي ملهمته في محنته وخير معين ومؤازر له. ولكن ماذا يفعل فهو قدر الله، وقدره أن يكون بعيداً عنها. فعبر مجيد عن مشاعره تجاه ولادته وقدم لروحها موسيقى بعنوان (حرقة القلب) لتعبر عن حسرته وألمه لفراقها، ولم تمض إلا أيام قليلة حتى باحت قريحته كلمة ولحنا وتوزيعا بتأليفه لأغنية (الراحلين).
تأسيسه لفرقة موسيقية في السجن
في 8 يناير 1986 تم نقله من ''جزيرة جدا'' إلى سجن جو، وهناك أبدى معه القائمون على إدارة السجن شيئا من التعاون، بعد أن أدركوا بأن هذا الفنان لديه طاقة كبيرة ويجب أن تستغل في صالح المساجين، فتم الإيعاز له بتكوين فرقة موسيقية للمساجين يقوم بتدريبهم وتعليمهم الموسيقى لمن يحب ويرغب في ذلك. وتم جلب عدد من الآلات الموسيقية له، وكان ذلك في شهر سبتمبر من العام 1986 وظل مجيد يدرس ويقدم المحاضرات الموسيقية والدروس النظرية والعملية لمحبي الموسيقى في السجن وخرجت هذه الفرقة الكثير من المساجين وهم يعزفون على عدد من الآلات الموسيقية، منها آلة الفلوت، والكلارنيت، والجيتار والاوكورديون، وكانت تشارك هذه الفرقة في احتفالات العيد الوطني وتخريج المساجين في كل عام، وظل مجيد يرأس هذه الفرقة حتى خروجه من السجن.
بعد 22 عاماً خرج وكأنه مولود من جديد
في 26 ابريل 1990 خرج المرحوم مجيد مرهون بعد أن قضى 22 عاماً (1969-1990) خلف القضبان، ليكون بذلك أشهر معتقل سياسي في البحرين قضى حكمه في السجن. كان من الصعوبة عليه الاندماج في المجتمع وكانت تزعجه أحيانا نظرة الناس وملاحقتهم وسؤالهم المستمر عن الماضي، ولكنه استطاع أن يتجاوز الماضي وينظر للمستقبل وينصهر في المجتمع، فظل بعد خروجه عاطلا عن العمل لمدة 4 سنوات بعدها عمل مع شركة مقاولات ثم حصل على فرصة تدريس بالمعهد الكلاسيكي في الجفير، وهنا بدأ من جديد يدب فيه النشاط ويتخاطب مع الموسيقى بلغة الحب ووجد نفسه أكثر، حيث تتلمذ على يده الكثير من محبي الموسيقى وكان يدرس في المعهد آلة الساكسفون والهارمونيكا والجيتار والاوكورديون، بعد ذلك عين بالمكتبة العامة لوزارة التربية والتعليم بالمنامة، وكانت له نشاطات بارزة من خلال تواصله مع المدرسين والموسيقيين وسنحت له هذه الفرصة ليكون بين الكتب والأشرطة الموسيقية، كما انه كان ينظم بعض المحاضرات للطلبة.
عضوية في فرقة أجراس ومشاركاته الفنية
وفي هذه الفترة انضم المرحوم ) لفرقة أجراس- تأسست في العام 1982) لكون اغلب أعضائها أصدقاءه والأسلوب الفني الذي تقدمه الفرقة قريباً من ذائقته الفنية، وقد شارك معهم كأول حضور وظهور له من خلال المهرجان الغنائي الثالث الذي أقيم في 17-18 سبتمبر ,1991 حيث قدم في هذا الحفل أغنية (حبيبتي) وهي من ألحانه وتوزيعه ومن كلمات عبدالحميد القائد وأداء فوزي الشاعر، وشارك مع الفرقة في مهرجان القرين الأول الذي أقيم في الكويت، وفي العام 1994 قدم بعضا من أعماله في الحفل الموسيقي الذي أقيم بنادي العروبة و نظمته اللجنة الفنية بنادي باربار وذلك على هامش الاحتفال باليوم الموسيقي الثالث. وشارك كذلك في أمسية موسيقية كلاسيكية أقيمت في 1 ابريل 2001 بمشاركة الفنان عصام الجودر وذلك ضمن الأيام الثقافية البحرينية التي أقيمت في دولة الكويت، كما قدم أمسية موسيقية لمؤلفاته على الساكسفون بمصاحبة الفنان خليفة زيمان بدعوة من المجمع الثقافي بأبوظبي في العام نفسه، وكانت له مساهمات بارزة في مهرجانات اليوم العالمي للموسيقى للأعوام ,96,94,93 وفي 5 نوفمبر 2005 ومن خلال مهرجان البحرين الدولي للموسيقى 14 قدمت فرقة البحرين للموسيقى بقيادة المايسترو خليفة زيمان أمسية موسيقية خاصة لأعمال الفنان مجيد مرهون، وقد قدمت 7 أعمال اغلبها تعزف لأول مرة منها (إلى جارية مغلولة،انطلاقة أفراحي، رقصة سربند، طفلي الحبيب، أخيلة الحبيبة، دعوة حنان، ذكريات الجزيرة)، وكانت آخر مشاركاته الفنية تعاونه مع اوركسترا عمان السيمفوني، وذلك في مهرجان البحرين الدولي للموسيقى 17 والذي قدمت فيه موسيقى (دعوة حنان).
تكريمــــه
حظي المرحوم مجيد مرهون بالتكريم والتقدير من العديد من الجهات الرسمية والأهلية والجمعيات السياسية والاجتماعية وذلك تقديراً لإسهاماته الفنية، ولعل أهمها تكريمه من قبل جلالة الملك المفدى ومنحه وسام البحرين من الدرجة الثانية في العام ,2002 كما كرّمه المجمع العربي للموسيقى في العام ,2002 ونال التكريم كذلك في كل المهرجانات الدولية للموسيقى التي يشارك فيها.
إصداراته الفنية
قدم المرحوم مجيد مرهون للمكتبة الموسيقية عددا من الإصدارات الفنية منها كتاب (الموسيقى الشعبية في الخليج العربي،1993)، (الأسس المنهجية لدراسة نظرية الموسيقى الجزء الأول، الطبعة الأولى، مايو 1994) وهو مكون من ثلاثة أجزاء، وآخر عمل له كان (القاموس الموسيقي الحديث) وهو قاموس يحتوي على 9 مجلدات صدر منه مجلدان وقد تبنى طباعة هذا القاموس مركز الشيخ إبراهيم بن محمد آل خليفة للثقافة والبحوث وأقيم له حفل تدشين في مارس ,2009 كما لمجيد عدد من المقالات والدراسات التي تتحدث عن الشأن الفني والموسيقي بشكل عام.
مؤلفاته الموسيقية
خلال رحلته الفنية قدم المرحوم مجيد مرهون العديد من الأعمال الفنية المتميزة التي احتضنتها وقدمتها العديد من الفرق الموسيقية والاوركسترا العالمية، منها (الحنين، الذكريات، ازميرالدا) ويقول مجيد إن أعماله التي يحتفظ بها تجاوزت 370 عملا، بعضها تم عزفه وتقديمه إلا أن هناك أعمالا كثيرة حبيسة الإدراج، ومن ابرز مؤلفاته:
؟ السيمفونية الأولى في مقام ري الصغير. السيمفونية الثانية في مقام مي بيمول الكبير وكنتيها (دعوة إلى الفرح) ، كونشير الساكسوفون مع الأوركسترا، جزيرة الأحلام (عمل أوركسترالي)، الذكريات (عمل أوركسترالي )، الحنين (نوستالجيا) عمل أوركسترالي، نشيد طريقنا،أغنية حبيبتي،أغنية الراحلين، إلى جارية مغلولة للأوركسترا الوترية، طفلي الحبيب للأوركسترا الوترية، ) ذكريات الجزيرة) للأوركسترا الوترية/ للرباعية الوترية، انطلاقة أفراحي للأوركسترا الوترية (مهداة لملك القلوب)، أخيلة الحبيبة للأوركسترا الوترية، دعوة حنان للأوركسترا الوترية، فيوج في مقام ري الكبير للرباعية الوترية / للأوركسترا الوترية، فيوج من مقام ري الصغير للرباعية الوترية / للاوركسترا الوترية، إلى فلسطين الثائرة صولو الفلوت مع البيانو، خيالات دلمونية صولو فلوت، مقطوعات صولو فلوت (1-2-3-4-5-6-7-8-9-10 )، إلى لبنان الشجاع صولو فلوت -مهداة إلى الفنان وسام البستاني وغيرها من الروائع الفنية.
الفصــل الأخيـــــر
في 28 مارس 1991 تزوج الفنان المرحوم مجيد مرهون من امرأة فاضلة وقفت معه وساندته في أشد الظروف والمحن، وكانت له خير معين في حياته ورحلة مرضه وشقائه، وقد أنعم الله عليه بابن اسماه )رضا)، ويدين المرحوم مرهون بالكثير لزوجته لوقفتها الكبيرة والمشرفة معه. أما رحلة تدهور صحته فقد بدأت في ديسمبر ,2007 وبعدها في مارس 2008 دخل المستشفى نتيجة انتفاخ في القلب وضيق في التنفس، وكانت آخرها في 29 ديسمبر2009 عندما أصيب بكسر في الحوض، وجراء خضوعه لعملية جراحية لترميم الكسر أصبح يعاني من صعوبة شديدة في التنفس مصحوباً بسعال شديد وازدادت الحالة في التردي ودخل في غيبوبة حتى ارتفعت روحه لخالقها في يوم الثلثاء الموافق 23 فبراير ,2010 ليرحل جسده عنا وتبقى سيرته وروحه خالدة، وأعماله الفنية شاهدة على هذا الفنان الذي سيسجل له التاريخ دوره وفنه وأخلاقه.
ألف رحمة عليه ودعواتنا أن يلهم الله أهله وزوجته وابنه وجميع محبيه الصبر والسلوان.
الوطن 27 فبراير 2010