الدفاع عن الحريات في مقدمة المهام
من أجل أن تكون معركة برامج
المسألة الطائفية
قانون "كتلة الشعب"
نحو حركة شعبية مناهضة للفساد


النقاش الذي يتجدد بين الحين والآخر حول المسألة الطائفية يشير إلى أننا بصدد موضوع حقيقي.  وفي هذا السياق علينا أن نفرق بين مسألتين:  الأولى هي الفوارق أو الاختلافات المذهبية، من حيث هي معطى تاريخي ورثناه منذ الانقسامات العميقة الفكرية والسياسية والفقهية في التاريخ الإسلامي منذ بواكيره والثانية هي الطائفية من حيث هي ممارسة سياسية أو إدارية أو حياتية قائمة على التفريق. 
 
أي أن المذهبية، من حيث هي انتساب لهذا المذهب أو ذاك من المذاهب الإسلامية ليست هي الطائفية، وإن بدا ذلك ظاهرياً.  صحيح إن الطائفية تنطلق من تلك الفروقات المذهبية لتنشئ جداراً بين أبناء الطوائف، كل طائفة تتخندق وراءه، ولتنشئ التفريق، لكن المذهبية وحدها لا تؤسس للطائفية إلا إذا وجد من يسعى لهذا التأسيس ويعمل في سبيله..
 
 ولا سبيل لإلغاء المذهبية بقرار أو بإرادة أو برغبة لأنها نتاج تكوين تاريخي مديد راسخ في العقول والأفئدة ويحتاج الأمر إلى حوار طويل معمق بين المعنيين في الطوائف المختلفة، لكن هناك سبيل لإلغاء الطائفية من حيث هي نظام أو سلوك للتفريق بين المواطنين، وهناك سبيل لاعتماد المواطنة وحدها معياراً في الفرص الوظيفية والإدارية وما إليها مما يندرج في نطاق حقوق المواطن وواجباته. 
 
بهذا المعتى فان للطائفية وظيفة سياسية تُؤدى، لذا فإنه بدلاً من أن يجري اعتماد تدابير للتغلب عليها والحد من آثارها ومظاهرها وصولاً لإنهائها، نرى أنه يعاد إنتاجها لتواصل أداء هذه الوظائف السياسية، فلا تعود الطائفية والحال كذلك رديفاً للتعددية المذهبية، وإنما هي أداة من أدوات تقسيم النفوذ، ولأن بعض هذا النفوذ غير قابل للقسمة فإنه من الطبيعي أن ينشأ التفريق لأسباب مذهبية في الظاهر، ولكنها مع الوقت أسست وتؤسس لتراتبية اجتماعية وإدارية، وفي هذا بالذات خرق لقاعدة المواطنة التي تعني في أبسط تعبيراتها مساواة الجميع أمام القانون وتساوي الفرص أمامهم، والاحتكام إلى معيار الكفاءة لا إلى المعايير المذهبية أو ما يشابهها.
 
مجتمعنا مطالب بالاستنفار ضد الطائفية فكراً وسلوكاً، وأن يجد فيها أمراً معيباً على المجتمع أن يتخلص منه، خاصة إذا ما أدركنا بأن الطائفية بوصفها شكلاً من أشكال الوعي الزائف وبوصفها ممارسة قد تفاقمت في العقدين الأخيرين تحت تأثير جملة من العوامل الموضوعية التي لا يتسع المجال هنا لشرحها، هما يضاعف من أهمية الجهود التي يتعين أن تبذل للتغلب عليها.
 
وغني عن القول إن معالجة الطائفية لن تبدأ إلا بتفكيك أساسها المادي، وهذا الأساس المادي كامن حصراً في أشكال التفريق والتراتبيات على أنواعها، وفي هذا النطاق تبدو المسئولية الرئيسية في إنجاز هذا التفكيك واقعة على كاهل الدولة، اذا أردنا فعلا لا قولا بناء دولة  عصرية  للقانون والمؤسسات تكون بديلا للتعاضديات التقليدية كافة. 

 
*افتتاحية نشرة "التقدمي" – عدد يونيو 2010


   Printable Version