عقدت اللجنة المركزية للمنبر التقدمي دورتها الخامسة عشرة مساء يومي الاثنين والثلاثاء الموافقين الثاني والعشرين والثالث والعشرين من سبتمبر الماضي، في مقر المنبر بمدينة عيسى، وبرئاسة الأمين العام للمنبر د.حسن مدن، حيث ناقشت القضايا المحالة إليها من المكتب السياسي، واطلعت على تقاريره حول نشاط المنبر في الفترة السابقة، وعلى مشاريعه وخططه للمرحلة المقبلة، واتخذت بشأنها ما يلزم من قرارات.
كما ناقشت اللجنة المركزية الوضع السياسي في البحرين والمنطقة، على خلفية الأزمة الكبيرة التي تعصف بالنظام المالي العالمي، والتي تؤكد المأزق الذي بلغته سياسة اقتصاد السوق، الحرة من الضوابط الاجتماعية ومن إشراف الدولة، حيث بات على المجتمعات، حكومات وشعوباً، أن تدفع ثمناً باهظاً لهذه السياسة. وتؤكد كل المعطيات أننا بصدد أزمة بنيوية، وليست مجرد مظاهر عابرة يُمكن تسويتها، وأن العالم كله يتضرر من آثارها، كما تضرر من سياسة الهيمنة والعدوان واحتلال أراضي البلدان الأخرى، ودعم أنظمة الاستبداد، ومجمل النهج القائم على الغطرسة والاستخفاف بالتضاريس الثقافية والفروقات الحضارية في العالم.
إن هذه الأزمة تؤكد صواب النهج الداعي لإشاعة العدالة الاجتماعية، وربط الخطط والمشاريع الاقتصادية بالمصالح الحيوية للشعوب، بضمان حقوق الإنسان وكرامته بدلاً من تعميم منطق الربح وحده، والإعلاء من القيم الاستهلاكية التي تدمر العالم الروحي للإنسان. وتضع هذه التطورات على عاتق القوى الديمقراطية واليسارية في العالم مهمة تصعيد نضالها من اجل إعادة الزخم لمبادئها، التي كانت موضع هجوم أيديولوجي مبرمج خلال العقدين الماضيين، وإظهار عجز الرأسمالية كنظام اجتماعي – اقتصادي في تحقيق العدالة الاجتماعية، وانسداد افقه التاريخي بالنظر للمصائب والآلام التي يجلبها للشعوب.
تسببت هذه الأزمة التي انطلقت من أسواق الولايات المتحدة الاميركية في العديد من الانهيارات والتداعيات المالية والاقتصادية الخطيرة، ليس فقط بالنسبة للاقتصاد الاميركي وانما شملت مختلف الاقتصادات الأوروبية والآسيوية، وصولا للأسواق الخليجية والعربية، حيث اظهرت هذه التداعيات حجم الخسائر والتراجعات المالية الضخمة التي تكبدتها العديد من المؤسسات المالية والبورصات العالمية.
وفي البحرين، وعلى الرغم من التكتم الشديد الذي لا زالت تبديه الجهات الرسمية لدينا أسوة ببقية دول مجلس التعاون الخليجي، فأن الأزمة المالية الراهنة أكدت مجددا واقع وطبيعة وحجم المخاطر التي تتربص باقتصادنا الوطني، وهي المخاطر التي أنشأت واقعاً جديداً لا سبيل إلى تجاهله، مما يفرض على السلطة التنفيذية ضرورة الإذعان لتحدياته، من خلال السعي لشراكة حقيقية فاعلة مع القطاع الخاص وبقية المؤسسات المعنية بالشأن الاقتصادي بغرض وضع معالجات حقيقية وواقعية، تستند إلى رؤية إستراتيجية واضحة المعالم، من شأنها ان تقود اقتصادنا الوطني للخروج من تلك المآزق المتكررة، التي هي نتيجة طبيعية للتخبط وغياب الرؤية الاقتصادية الصائبة وعدم وضوح السياسات المالية والنقدية، وانعدام الشفافية في ادارة الاقتصاد الوطني والحد من تبعيته واتكاليته المزمنة. وفي ظل ما يعصف بالعالم من موجات تضخم هائلة وغلاء للأسعار انعكست سلباً على أحوال مواطنينا المعيشية دون رحمة أو حتى بارقة أمل للخروج من جحيمها، مع كل ما تفرضه الدول الكبرى من سياسات ذات ابعاد مدمرة بالنسبة لسياسات دولنا المالية والنقدية فضلاً عن الاقتصادية، سبق لنا أن أكدنا على ضرورة إعادة النظر سريعاً في هيكلة اقتصادنا الوطني وأهمية تنويع مصادر الدخل والعمل ضمن رؤية استراتيجية اقتصادية.
ويُفترض في هذه الإستراتيجية أن تأخذ في الحسبان كافة الطاقات والموارد المادية والبشرية الكامنة وتوجيهها باتجاه خلق تنمية اقتصادية واجتماعية واعدة، ومكافحة كافة أوجه الفسادين الاداري والمالي ووقف الاحتكار، واعادة النظر سريعاً أيضاً في كافة الاساليب الادارية البالية والمعيقة لنمو اقتصادنا الوطني، والسعي بجدية نحو الاعتماد على مواردنا البشرية وتطويرها دون تمييز.
وللأسف الشديد فان الخفة هي ما يطبع الكثير من السياسات الاقتصادية في الدولة، سواء ما يتعلق منها بالاستثمار أو الإنفاق، ففي الوقت الذي تتعالى فيه الأصوات، عبر العالم كله، مطالبة بدور ضابط أكبر للدولة، فان شركة ممتلكات تتحدث عن النظر في بيع جزء من حصصها في الشركات الحكومية مثل شركة المنيوم البحرين"ألبا"، و"بتلكو" وبنك البحرين الوطني.
والشيء نفسه ينطبق على ما رشح من توجه الحكومة لتصميم موازنة 2009- 2010، على أساس سعر البرميل للنفط بمقدار95 دولارا، مع ما ينطوي عليه هذا التوجه من مخاطرة في وضع موازنة اتفاقية توسعية استناداً إلى هذا التوقع الذي لا يأخذ في الحسبان ما يمكن أن تسفر عنه تداعيات الأزمة الراهنة التي تعصف بالنظام المالي في العالم.
وناقشت اللجنة المركزية للمنبر تطورات الوضع السياسي والأمني، فعبرت عن قلقها إزاء ما تؤكده هيئات الدفاع عن تعرض المعتقلين في الحوادث الأمنية للتعذيب، وحملهم على الإدلاء باعترافات تبرر محاكمتهم واستصدار أحكام ضدهم، وفي الوقت الذي يؤكد فيه المنبر التقدمي على نبذه لكافة أشكال العنف والتخريب، وتمسكه بالنضال السلمي وباستخدام ما يوفره القانون من وسائل الاحتجاج والعمل المطلبي الشرعية ، فانه يعبر عن القلق حول تزايد الشكوك عن مدى صحة بعض الروايات الرسمية حول الأحداث الأمنية ، بهدف تبرير الإجراءات والتدابير المقيدة للحريات، ويؤكد على ضرورة سلامة إجراءات الاعتقال والتحقيق مع المعتقلين بحضور محاميهم، وضمان حياد القضاء واستقلاليته ، وضمان الحقوق الكاملة للمتهمين.
وعلى صعيد السياسة الخارجية فان المنبر التقدمي يجدد موقفه الداعي لحل سلمي عادل للصراع العربي الإسرائيلي، يضمن انسحاب إسرائيل غير المشروط من الأراضي العربية التي احتلتها بالقوة، وقيام دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة، وتهيئة ظروف الاستقرار والأمن في منطقة الشرق الأوسط ، بما يمكن جميع شعوبها من تحقيق التنمية والرخاء، وهذا لن يتحقق إلا بإزالة أسباب العدوان المتمثلة في السياسة التي تتعاقب الحكومات الإسرائيلية على الاستمرار فيها، مما يجعل من الحديث عن منظومة أمنية إقليمية تشمل إسرائيل، فضلاً عن صعوبتها العملية، فكرة سابقة لأوانها، لأن إدماج إسرائيل في مثل هذه المنظومة، قبل انسحابها من الأراضي المحتلة، يوفر لها الغطاء للاستمرار في نهجها العدواني.
اللجنة المركزية للمنبر التقدمي أكتوبر 2008
|