المنبر التقدمي ينعي المناضل الوطني والموسيقار مجيد مرهون
مجيد مرهون يروي سيرته لـ " الوقت .. ويرحل "



  اتصلتُ به في نهاية شهر سبتمبر/ أيلول من العام ,2009 وطلبتُ منه أن يمنحني بعض الوقت؛ لأدون سيرته الفنية، كنت أعلم أنه مشغول في تحضير أعماله الفنية، وسأجد صعوبة في لقائه أو أنه سيصعب عليَّ تدوين سيرته، ولكنني لم أكن أتوقع أن يكون بهذا التواضع والبساطة، فقال لي: أنت تختار الوقت وأنا في انتظارك ..




مجيد مرهون يروي سيرته لـ " الوقت .. ويرحل " 


  
 
التقيته في سبتمبر 2009..لأدون سيرته.. فكان هذا آخر لقاء له في حياته..

مجيد مرهون قبـل وفاتـه: هــذه سـيرتي الفنية 

  تدوين : يوسـف محمـد
 


اتصلتُ به في نهاية شهر سبتمبر/ أيلول من العام ,2009 وطلبتُ منه أن يمنحني بعض الوقت؛ لأدون سيرته الفنية، كنت أعلم أنه مشغول في تحضير أعماله الفنية، وسأجد صعوبة في لقائه أو أنه سيصعب عليَّ تدوين سيرته، ولكنني لم أكن أتوقع أن يكون بهذا التواضع والبساطة، فقال لي: أنت تختار الوقت وأنا في انتظارك .. فاتفقنا على موعد فذهبت إليه، فاستقبلني بترحاب كبير من أمام بيته بمدينة حمد .. ومعه ابنه رضا، وكانت زوجته أم رضا تسبقني بسيارتها لأهتدي إلى البيت .. وفتح قلبه قبل بيته وتحدث في أمور كثيرة، وقدم لي صورا وهو يقول هذه أول مرة أقدم هذه الصور للنشر .. لم أستطع أن أخفي سعادتي وفرحتي بأني التقيته ومنحني هذه الثقة وأطلعني على صور العائلة وأسرار حياته الخاصة .. وكتبتُ السيرة ودونتها .. ولا أعرف ما الذي استوقفني، فأجَّلتها إلى حين وقت آخر .. يمر أسبوع وأسبوع آخر وآخر .. والسيرة جاهزة، ولكني أؤجلها للعدد القادم .. حتى التقيته في إحدى الأمسيات الموسيقية وسألني ممازحاً: (متى راح تنشرها لين مت)! دعوت له بطول العمر ووعدته خيرا وإن شاء الله ستنشر قريباً، وانشغلت بتدوين السير الباقية للفنانين، وكنت أقول لنفسي هذا الأسبوع ستكون سيرة مجيد، ولا أعرف لماذا أؤجلها في كل مرة .. حتى التقيت بالفنان سلمان زيمان وأخبرني أن مجيد مرهون في المستشفى وحالته غير مستقرة .. تألمت كثيراً له .. وبدأت أرتب سيرته التي دونتها؛ تمهيداً لنشرها لأفي بوعدي معه، وأخبرت (بوسلام) أن هذا الأسبوع ستكون سيرة مجيد مرهون فانتظرها، وأتمنى أن أحصل على رأيك بشأنها، واتفقنا على ذلك، وفي صباح يوم الثلثاء تلقيت اتصالا من الفنان سلمان زيمان وهو يحدثني بصوت خافت وبنبرة لم أعهدها منه من قبل، ألو .. يوسف ترى مجيد مرهون عطاك عمره!! أغلقت السماعة بعد ترحمي عليه وعاد بي شريط لقائي به وأول ما استحضرته كلمته .. (متى راح تنزل السيرة لين مت!) لا أعرف ماذا أقول له وكيف أبرر له ما حدث .. لقد رحل وظلت السيرة. رحل بهدوء دون ضجيج ولم يمهلني لأفي بوعدي له .. رحل، وكم كنت أتمنى أن يقرأ سيرته ويشاهد ويسمع انطباعات الناس ليعرف حجم محبته وتقديره لديهم. رحل ولم يمنحني رأيه وملاحظاته عما دونته عنه .. رحل بن مرهون وظل ‘’ساكسفونه’’ يعزف أنغام الأمل والتفاؤل التي كانت هي أحلامه، فهذه سيرته كما رواها لي أنقلها لكم؛ لأفي بوعدي لروحه بعدما غاب جسده عنا.


البداية ..

هو عبدالمجيد عبدالحميد حسن مرهون، واسم الشهرة (مجيد مرهون). ولد في 17 أغسطس/ آب 1945 في منطقة القضيبية في (حي العدامة)، وسمي بهذا الاسم لما يعاني ساكنوه من فقر وعوز وعدم في أبسط أمور حياتهم المعيشية، حيث ولد على يد القابلة (ما كوي) وسط أسرة فقيرة وبسيطة يتكون عددها من 8 أشخاص.
في بداية حياته التحق بالمدرسة الشرقية بالمنامة، ثم واصل الدراسة بمدرسة القضيبية، حتى انتظم بعد ذلك العام 1959 لشركة (بابكو)، وخضع للتدريب والدراسة النظرية والعملية لمدة 4 سنوات في الشركة، بعدها عمل بقسم التحكم بالشركة، حتى تم اعتقاله ومحاكمته وسجنه لمدة 22 عاماً (1968-1990)، خرج بعدها وكأنه مولود جديد لهذه الحياة، فظل لمدة 4 سنوات عاطلاً عن العمل، بعدها عمل لدى شركة مقاولات، ثم مدرساً بالمعهد الكلاسيكي، ثم انتقل للعمل بالمكتبة العامة بوزارة التربية والتعليم حتى أحيل على التقاعد العام ,2004 وفي هذه الفترة ظل يمارس هوايته الفنية وانهمك في إنجاز مشروعه الأكبر ‘’قاموس الموسيقى الحديث’’ ومواصلة البحث والاطلاع في بحور الموسيقى، حتى أصيب بوعكة صحية دخل على إثرها المستشفى في ديسمبر/ كانون الأول ,2007 وبعدها في مارس/ آذار 2008 وكانت آخرها في 29 ديسمبر/ كانون الأول 2009 حتى فاضت روحه إلى خالقها في يوم الثلثاء الموافق 23 فبراير/ شباط .2010

علاقته بالفن ..

تميزت طفولة مجيد بالنشاط والأمل والتفاؤل رغم كل الحرمان الذي ذاقه في طفولته، وكان محبوباً من أصدقائه، لا تفارقه الابتسامة ولا الدعابة والمواقف المضحكة، وكان باراً بوالدته ومحباً لها، حيث إنه يعتبر من أكثر الأبناء تعلقاً بها منذ صغره، ولم يكن الفن غريبا عليه، فوالدته هي زعفرانة إسماعيل من الحفظة لفنون النوبان ومحبة للفنون الشعبية، وجده لأمه هو إسماعيل مبارك السعدي، محب كذلك للفنون الشعبية، وكان يعزف على آلة نفخ تسمى (سازنغاره)، وقد تولع مجيد منذ صغره بهذه الآلة التي كانت تستهويه الألحان الجميلة التي يعزفها (جده) كل يوم، وفي المقابل كان هناك حي (التلغراف)، وهو حي معروف يقع بالقرب من قصر القضيبية، تجتمع فيه الفرق الموسيقية الشعبية المختلفة، من هنود وباكستانيين وعمانيين ويمنيين وعدد من الفرق الشعبية البحرينية، وكان يعد هذا الحي بمثابة مقر وتجمع للفنون الشعبية المختلفة التي تصدح في كل ليلة، وهي تحيي المناسبات بفنونها المختلفة، فكان يذهب لهذا الحي ويتابع هذه الفرق وهي تقدم فنونها المختلفة، إضافة إلى ذلك وجود المذياع في منزلهم، والذي كان يستمع منه إلى الأغاني المختلفة والسيمفونيات العالمية، ويحاول بشتى الطرق أن يستوقف نفسه أمام كل عمل؛ ليستوعب كيفية اندماج هذه الآلات مع بعضها البعض وخروج هذه الألحان المختلفة، فأثر هذا الجو الفني المحيط به كثيراً وانعكس على تكوينه الموسيقي، وساهم في فتح مدارك الحب والارتباط بالموسيقى، وبدأ ذلك جلياً عندما بدأ في صياغة أول لحن له وهو لم يتعدَّ العاشرة من عمره، عندما طلب منه مدرس التربية الرياضية بمدرسة القضيبية في ذلك الوقت الأستاذ سلمان الدلال بعمل (منولوج) بسيط بعدما وجد في هذا الطفل الموهوبة بوادر الإبداع.

رحلته في عالم الموسيقى ..

أثناء عمله في ( شركة بابكو) العام 1959 بدأ يقتطع من راتبه جزءاً بسيطاً؛ ليحقق حلمه باقتناء آلة موسيقية يسمر معها في كل ليلة ليعبر من خلالها على ما يشعر به من حالات فرح أو حزن، وكان له ما أراد عندما اشترى أول آلة موسيقية وهي آلة (الهارمونيكا) من أول راتب حصل عليه، وكان وقتها لا يتعدى الرابعة عشرة من عمره، وبدأ يتدرب بنفسه على هذه الآلة، مستذكراً الألحان والنغمات التي كان يصدرها جده من آلة (سازنغاره)، وتطور وكبر معه هذا العشق، فقام بشراء آلة (الأكورديون)، وكانت في تلك الفترة هذه الآلة معروفة لدى أبناء الحي من خلال الفرق الهندية والسينما، وبدأ يعزف عليها بين أصدقائه الذين كانوا منبهرين من تميز مجيد ومقدرته على العزف على أكثر من آلة، وهو يبدع فيها دون أن يوجهه أو يعلمه أحد على أسس وطريقة العزف، ولم يتوقف مجيد عند هذه الآلة، فقام بعد ذلك باقتناء آلة أخرى وهي (الترومبيت) حتى ذاعت سيرته بين الحي بأن هذا الفتى مسكون بحب الموسيقى والفن، حيث كان يعزف كل يوم بعد عودته من العمل ويملأ الدنيا فرحاً وطرباً وهو يتنقل بين الحي مستعرضاً قدراته الفنية مع كل آلة يحتضنها بحب، حتى أوكل إليه المرحوم (باقر كلبهرام) العام 1961 تكوين فرقة موسيقية خاصة بمأتم (كلبهرام) لتصاحبهم في موكب العزاء، وهنا بدأت مرحلة جديدة من التمعن في الموسيقى التي سيقدمها مجيد، وكيف يمكن أن يوظف مشاعره وإحساسه ويعبر عنهما بالموسيقى لتمتزج مع رهبة المشاعر في مواكب العزاء، وفي هذه الفترة اقتنى مجيد آلة (لساكسفون) من (محلات أحمد جمال للتجارة) قبل أن تتحول المؤسسة إلى نشاط الإنتاج الفني، حيث كان المرحوم أحمد جمال في ذلك الوقت يمارس نشاط تجارة عامة، ويجلب أدوات موسيقية لمواكب العزاء وفرقة الشرطة وبعض الفرق الغربية)، وبدأ يتعلق مجيد بالساكسفون التي أبكاها مع كل نغمة تحمله مشاعره، وهو يتقدم مواكب العزاء، ليسجل اسمه كأول عازف (للساكسفون) في البحرين، وأول من يؤسس فرقة نحاسية مصاحبة لمواكب العزاء، بعدها انضم إلى مأتم (خدا رسون)، وغيرها من المآتم وكان (مأتم السجاد) هو آخر مأتم نظم فيه مجيد مرهون فرقة واستطاع أن يدرب أعضاءها ويشرف عليها.

انضمامه لفرقة الأنوار ..

في نهاية العام 1960 انضم مجيد مرهون إلى فرقة أسرة هواة الفن كعازف لآلة الكمان، ولكن لم يستمر فيها، كما كانت الفرقة في هذه الفترة تلفظ أنفاسها الأخيرة، حيث بدأت المشاكل تدب بين الأعضاء، وبدأت الانسحابات تهدد استمرار الفرقة. بعدها خرج من الفرقة وظل يمارس هوايته المحببة بالعزف على آلة الساكسفون، ويحاول أن يقدم شيئا جديدا ومميزا، في الوقت ذاته بدأ يحاول العزف على آلة الجيتار، إلا أن حبه للساكسفون جعله يركن الجيتار في زاوية ويواصل العشق المتبادل بينه وبين هذه الآلة التي ترصد مشاعره مع كل نفخة عليها، حتى انضم العام 1964 بفرقة الأنوار، وبدأ بتكوين فرقة غربية مشتقة من هذه الفرقة وتم تسميتها (فرسان العرب)، وكان من بين أعضائها عزيز عباسي، عبدالله حسين (عبدالله جيتار)، عيسى طماطة، إسماعيل بلال وغيرهم، واستمرت هذه الفرقة في إحياء الحفلات والمناسبات، وقدمت الكثير من الألوان الغنائية الغربية وساهمت في نشر ثقافة موسيقية جديدة لم يتعود عليها الجمهور في ذلك الوقت، وتم الاتفاق معهم لإحياء حفلات بشكل أسبوعي في قاعة مطار البحرين، حتى توقفت هذه الفرقة وذهب كل منهم في طريق.

رحلة الاعتقال والسجن ..

قد يكون هذا الموضوع هو الفصل الأهم والأكثر بروزا في حياة هذا المبدع الراحل عنا، وأتذكر عندما بدأنا نتحدث عن هذه المرحلة، كان يضحك ويقول (اشتبي أقولك .. 22 سنة في الحج كنت)، ويرتفع صوت ضحكته حتى أخذ موقع الجد، وقال: الظروف والأوضاع والفقر وأشياء كثيرة كانت عاملا أساسيا في تبنيّ لهذا الموقف الذي ما ندمت عليه قط، بل فعلته من إيماني الراسخ ودفاعي عن قضية وطن. باختصار انضممت إلى جبهة التحرير الوطني البحرانية، وفي العام 1966 نفذت مهمة تفجير سيارة ضابط المخابرات البريطاني (بوب لانغديل ومساعده الأردني أحمد محسن)، وبعد سنتين تم اعتقالي وحوكمت في 8 فبراير/ شباط 1969 بتهمة حيازة سلاح وتفجير ضابط مخابرات أجنبي .. وصدر الحكم عليَّ بالمؤبد، حيث بقيت في السجن مدة 22 عاماً حتى ذقت الحرية في 26 أبريل/ نيسان ,1990 هذا ما حصل.
‘’ولكن دعني أتكلم عن الجانب الموسيقي والفني في تلك الفترة’’. هكذا رد علي المرحوم مجيد قائلاً: في السجن ألفت وكتبت وعبرت واستطعت أن أهزم اليأس بالموسيقى، كانت النوتات هي الأمل وهي التي أتلمسها مع كل نغمة تخرج مني دون آلة موسيقية ويخرج عبقها بطعم الحرية. في البداية كان الوحدة قاتلة، مدمرة لكل شيء فيَّ .. كنت وحيدا، كل شيء ممنوع .. حتى الحصول على الكتب ممنوع، حتى سمح لي بعد ذلك، وبدأت أقرأ بنهم وأحاول أن أعبر عن مشاعري، وأرسم نوتات وأستمع بخيالي إلى نغمات، وأكتبها وأرسم خط لكل آلة ومعزوفة .. وكل هذا من دون آلة! كنت أعيش النغم بخيالي وأنقله إلى نوتات موسيقية، حتى وصلت إلى السويد عن طريق زوجة الدكتور عبدالهادي خلف الذي كان معي في السجن، فزوجته - والكلام للمرحوم مجيد - كانت تعمل في معهد للموسيقى في السويد واستطاعت أن توصل هذه النوتات إلى مدير المعهد ويدعي (يوهن)، وكان مبهوراً لما بين يديه، حيث كان يبعث هذه الأعمال إلى الموسيقي السويدي بقسم التأليف (سفن يفافيد ساندستروم) الذي اهتم كثيراً بها، ويؤكد هذه المعلومة الدكتور عبدالهادي خلف، حيث يقول كانوا مبهورين ولم يصدقوا أن هذه النوتات قد كتبت في السجن ومن دون وجود آلة موسيقية لولا معرفتهم وثقتهم بزوجتي (أم رسول). كانت هذه سيرة مختصرة لبدايات المرحوم مجيد مرهون، وسأدون في الحلقة القادمة ما قدمه مجيد من أعمال في السجن، وكيف استطاع أن يطوع الصعاب، ويجعل من الموسيقى بلسما تلهمه وتخفف عنه رحلة العذاب التي قضاها بين القضبان، وكيف واجه الحياة بعد خروجه وماذا عمل .. هذا ما سأواصل تقديمه في الحلقة القادمة.
 



في الحلقة القادمة ..
* تلحينه لنشيد طريقنا أنت تدري.
* تأسيسه لفرقة موسيقية في السجن.
* بعد خروجه .. علاقته بفرقة الأجراس.. والسيمفونيات التي ألفها.
* إصداراته الفنية وبحوثه في مجال الموسيقى.
* تكريمه ومشاركاته الموسيقية.
* زواجه ورحلة المرض.
* تمنياته للبحرين وأهلها.
* الفصل الأخير: وفاته.
 
 
 
 


   Printable Version