 خليل يوسف -
ليس أكثر مرارة أحياناً من الحقيقة .. لكن بعض الحقائق تتجاوز طعم المرارة لتصبح فاجعة .. !!
هذا بالضبط ما ينطبق على القرارات الأخيرة لشركتنا الوطنية " بتلكو " التي كانت ولازالت تحقق أرباحاً طائلة كل عام، ويكفي أن نعلم بأن الأرباح الصافية التي حققتها الشركة عام 2007 بلغت 101,5 مليون دينار بزيادة قدرها 13,6% مقارنة بعام 2006، وفي الربع الأول من هذا العام 2008 حققت الشركة أرباحاً صافية بلغت 27,4 مليون دينار، وكان ينتظر من هذه الشركة أن تتخذ مواقف مسؤولة تؤكد على الدور الاقتصادي والاجتماعي لهذه الشركة .
لكن يبدو أن القادة الجدد لهذه الشركة أبوا إلا أن يستفزونا إلى أبعد حدود الاستفزاز، فقد كان واضحاً في مواقفهم الأخيرة من فصل مجموعة من العاملين البحرينيين تحت ذريعة التدوير، كان واضحاً إلى أي مدى تستخف هذه الشركة بالقانون وبإحكام القضاء أولاً ، وبالرأي العام ومؤسسات مجتمعه المدني ثانياً ، وبالعمالة الوطنية ثالثاً .
هذا الاستخفاف من إدارة الشركة العتيدة بلغ إلى درجة جعلت وزير العمل لا يتردد في توجيه هجوم قاس ٍ على الشركة، وقال بأنها تعتبر نفسها فوق القانون، وفوق القضاء الذي أمر بوقف تدوير الموظفين، وهو البرنامج الذي بات معلوماً للجميع بأن هدفه أولاً وأخيراً هو تطبيق عملية تلو العملية من عمليات فصل العمالة الوطنية من الشركة الوطنية .
لم يكتفي وزير العمل بذلك الاتهام، وإنما أتهم بصورة مباشرة الرئيس التنفيذي للشركة الاسترالي الجنسية بأنه يصر على جلب عمالة أجنبية من استراليا وأفريقيا والهند لإحلالها محل العمالة الوطنية .. !!
ثم جاء تصريح وكيل وزارة العمل الذي أكد فيه بأن " بتلكو " لم تترك من يدافع عنها في أوساط الرأي العام ، ليؤكد بأن ردة الفعل العفوية تجاه مواقف بتلكو إنما تعبر عن ارتياب عميق تجاه شركة لاينفك المسؤولون فيها من استفزاز الناس .
المشكلة في جوهرها وعلى اختلاف وجوهها يبدو أنها تتسل من خلفية واحد تتمثل في الخلل البنيوي الواضح في تركيبة الإدارة العليا، التي أغلب من فيها أجانب وليس في ذلك ما يدعوا إلى العجب في ظل أوضاع وظروف وتوجهات معلومة للجميع، وبات هؤلاء الممسكين بمقاليد أمور الشركة في موقف التحدي الصريح لكل السلطات في البلاد، سواء وزارة العمل، أو السلطة القضائية، أو المجلس النيابي ، أو النقابات العمالية، أو الجمعيات ومؤسسات المجتمع المدني، بل ذهبوا إلى أبعد حدود الاستفزاز حينما أعطوا امتيازات للموظفين الأجانب بالشركة آخرها صرف علاوات إضافية على رواتبهم كفرق في سعر الصرف بسبب التضخم وارتفاع الأسعار ، فيما حجبت هذه العلاوات عن البحرينيين لديها ، وكأن العمال الأجانب بالشركة هم وحدهم الذين يعانون من التضخم وارتفاع الأسعار، بل أرادت إدارة الشركة إلا تألوا جهداً في نبذ وازدراء العمالة البحرينية ، ومارست ضدهم سياسات ضربت بعرض الحائط كل ما كان يبشرنا بالبحرنة وتنمية الموارد البشرية الوطنية والإنسان البحريني هو محور التنمية وهدفها وغايتها ووسيلتها والعدالة الاجتماعية والأمن الوظيفي وحقوق الإنسان ، وما إلى ذلك من شعارات غدت على يد الممسكين بمقاليد الشركة " الوطنية " لا قيمة لها وفاقدة لمعانيها وباعثة على قدر كبير من الإحباط والقلق .
إذن لا مناص من القول أن ما يجري مهزلة .. وسكوت مؤسسة صنع القرار عن تصويب ممارسات ادارة " بتلكو " في أسرع وقت ممكن والتصدي لذهنية هذه الإدارة تجاه العمالة البحرينية سينال من مصداقية كل ما هو مطروح أمامنا خاصة تلك المتعلقة بدولة القانون طالما أن هناك من لا يخضع للقانون ولا يحترم أحكام القضاء ، ولا يراعي ما يستوجب المراعاة بعيداً عن الهزل والتمويه .
نشرة التقدمي
|