مقالات اخرى
الحـل البحريني للأزمـة
ثمار الفوضى الخلاقـة
هل يمكن الخروج من الأزمة؟
في مديح القرن العشرين
الحل في التسوية التاريخيـة
إحباط لجنة تقصي الحقائق وتنفيذ التوصيات
هل ثورة تونس اصبحت ضد حرية الرأي؟
التعديلات الدستورية والمصالحة الوطنية
الدولة المدنية بعد صعود الاسلام السياسي للسلطة
خطاب الحوار وخطاب التأزيم
  نسخة للطباعة                        عدد القراءات : ( 24 )


بدر عبدالملك -   

التقيت بشخصية نيكوس في احد مقاهي نيقوسيا ’ وإذا ما قلنا وكتبنا عن طبائع تلك الشخصية فهو بالضرورة بحاجة لروائي عبقري مثل نيكوس كازانتزاكيس لتصوير نسيج هذه الشخصية العجيبة ’ ففي شخصيته طباع من زوربا وملامح بحار مغامر وسائح جوال ومكتشف للثقافات ومجنون من نمط جميل ’ إذ يجعلك كلامه المجنون المقارب للفلسفة تود مجالسته ’ فلديه من الأسئلة الاستفزازية المثيرة للفضول والعقل . كان نيكوس منتظما في حضوره للمقهى وتربعه طاولته التي تنتظره في وقتها المحدد ’ فقد عقد نيكوس معها ومع الزمن ومناخ المقهى وزبائنه علاقة ود مستمرة ’ وهو يفرض حضوره بمودته تلك مع كل الرواد هناك ’ كما أن صاحب المقهى يعتبره أبو الهول ’ هكذا صار اسمه وقد أحب نيكوس تلك التسمية ’ مع انه كرر مرارا علنيا انه والمكان عمود من أعمدة البارثينينوس في معبد الاكروبولس في أثينا ’ حيث انتصبت عالية فوق الهضبة ويراها الأثينيون من بعيد ’ منذ نشأتها حتى الان ’ كلما ابتعدوا ووجدوا مرتفعا بعيدا لا يقطع أبصارهم الممتدة .
ومثلما كنا نسميه أبو الهول فهو لا يمكنه أن يترك الضحك يغادر وجه الصبوح الطيب والمفعم بالمودة للجميع ’ فقد وزع الأسماء على رواد المكان بطريقته كما يوزع السخي كرمه للجميع دون انتظار أو مجاملة أو تزلف. بقيت وحدي بلا تسمية لكوني زائر جديد للمكان ’ غير أن نيكوس كسر هدوئي وعزلتي حينما قال لي ’ يبدو عليك من دول الجوار ’ فكان يتصورني بسبب البياض إنني لبناني أو من سكان بلاد الشام .
فقال مداعبا هل تدعوني لطاولتك أم انك بخيل ’ وإذا ما كنت خجولا فانا ادعوك لطاولتي ! تعجبت من بساطته وصراحته العجيبة وذلك الخطاب المباشر والتلقائي ’ فأدخلني في تساؤل الدهشة وحيرتها ’ غير إنني كسرته فورا بالرد ’ لكي لا تتهمني بالبخل فانا ادعوك إلى طاولتي ’ إذ يفضل الواحد فينا صفة الخجل بدلا من البخل. في تلك اللحظة لم أكن اعرف أن نيكوس يعرف كل الجالسين فهو ملك المقهى وأميرها المتوج ’ ومحبوبها اليومي ’ فيما عدا شخصي الغريب الذي سقط من السماء عليهم ’ فانتحى داخل المقهى في زاوية هادئة لو لا ضوء النافذة الذي يسمح بنفاذ خيوطها الشتائية الدافئة .
حالما جلس بقابلتي مد يده إلي مصافحا : نيكوس أندرياس لاجئ في بلاد تنتظر موتها ! فقلت له بحريني مفلس يبيع لؤلؤ صناعي ! ضحك بقوة لم أكن أتصورها فبدا كطفل كبير ’ فصرخ بيونانية اقرب للهجة أهل قبرص ’ وجدت التوأم الذي ابحث عنه فانا نصف مجنون وهأنذا وجدته هنا بعد أن طفت بلاد الانديز ولم اعثر عليه . أصبحنا بعد تلك الجلسة أصدقاء دائمين نتجاذب أحاديث الحياة والسياسة والسفر والنساء والفن والأدب والموسيقى. ومن خلال يوميات نيكوس العجيبة الغريبة ’ عرفت عن انه تخرج من إحدى جامعات روما في مجال الانثروبولوجيا ’ واخبرني أن حلمه كان الذهاب فيما وراء جثث الموتى في حضارة المايا والانكا ’ لكي يبعثر أحجارهم بطريقته حسبما يقول ’ فقد جذبته الرغبة الى هناك بسبب الموسيقى والحيوية والجنون والضحك ’ وأكد لي أنهم يناسبون شخصيته ودمه الحار وجنونه الجنسي وحبه للنساء . لم يستكمل نيكوس أحلامه ’ كابن للطبقة الوسطى ’ فقد مات والده وهو في سنة تخرجه ’ فحمل الأب للقبر غضبه على ابنه معه ’ فقد كان الأب يود لو تخصص ابنه في التجارة أو أي تخصص له علاقة بالبزنس ’ فدراسة جثث الإنسان الحي أو الميت لا تعني للأب عالم مفيد ’ كما أن ثقافة الشعوب وعاداتها وألسنها ليست أهم من التجارة معها ومناقصتها وغشها والكذب عليها . ماذا تعمل مع أب كهذا نصفه جاهل والنصف الآخر أحمق ! لقد أتعبني والدي بنصائح غبية لطالما كررها الآباء على الأبناء ’ حتى طفشنا منهم نحو المجهول ’ أمي وحدها كانت تغمز لي من وراء ظهره ’’ دعه يقول كل ما يريد وافعل ما تريد ’’ فلدى كل واحد فيكم عقل وروح مختلفة ’ انه بخيل جمع ثروته لكي يتركها لابن كريم جاء لينفقها بطريقته .
ظل نيكوس يمجد والدته التي علمته إن يحب الرقص والغناء والسفر ’ بدلا من ولولة والده المملة والجمل الميتة . عندما عاد نيكوس من ايطاليا اثر خبر وفاة والده وجد أمامه ثروة كبيرة ’ دزينة أوراق من أراض صارت أسعارها ثروة لوحدها وعمارتين بدخل ثابت في شارع رئيسي ’ ورصيد بنكي أرباحه السنوية تكفيه أن يعيش أميرا كل ليلة كما يشاء .
لكنه ظل متواضعا ’ بسيطا ومحبوبا كبساطة أمه التي هجرت عائلتها الثرية بسبب حبها المجنون لوالده المدقع ’ وعاشت معه رومانسية الفقر والبؤس ’ فكان على نيكوس أن يشهد حالة معاكسة ’ فهي امرأة جاءت من بيوتات غنية لم تلتفت للثروة وإنما لجنون قلبها وأب بائس محروم انغمس في تجميع المال ونسى كل ألوان المتع والضحك والفرح ’ ومكث يعد كل يوم دخله من متجر متواضع ’ بوجه مكفهر وكيف يتصرف مع أرباحه ’ وكلما دخل فناء البيت زعق على زوجته ’’ انك ستفسدين هذا الولد بدلالك ’ لا ألومك فأنت جئت من بيوت النعمة ’’ متناسيا بكل جحود تضحياتها من اجله . تلك التضحية – قال لي نيكوس – علمتني أن الحياة عبث ’ مثلما قالت لي أمي وهي على فراش الموت ’’ لا تكن يا بني مدفونا في الحياة كما ندفن في القبر ’ ولا تكرر ما عاشه والدك من حزن وهم وغم ’ فافرح بكل لحظة واضحك من أعماقك للحياة ’ فليس للحزن فائدة ’ وإذا لم تمنحنا الثروة سعادة وفرحا ’ فالأجدى أن نموت مبكرا ’’ . وبالرغم من سرده السريع ذكرني بموعد الغد على طاولته ’ فهو على عجالة من أمره ’ وهو يضحك قائلا ’’ تايم فور وومن ’’ وبصوت عال سمع الجميع صرخته وهو يخرج ’’ ينيكيس ’’ وتعني النساء . فهل نلوم نيكوس عندما يكرر علينا دائما بضحكته ’’ إن الزواج نقيض للحرية’’.
 
صحيفة الايام
31 اغسطس 2010

قائمة التصنيفات

إقتصاد (242)

حقوق وقانون (8)

شئون عمالية (86)

شئون المرأة (54)

شئون الشباب (25)

برلمان (64)

سياسي (2098)

عام (573)

قصيدة (28)

شئون البيـئة (5)

مطارحات فكرية (5)

خاطــرة (1)

New Categoy (0)


مقالات اخرى للكاتب
إيران الحبلى بالتغيير متى ستلد؟
تونس وقراءة في مزاج الشارع العربي (2-2)
تونس وقراءة في مزاج الشارع العربي «1-2»
طفح الكيل... بين قرطاج وحلم ايثاكا
فضيلة الإبداع وورطة السياسة
«فاماه» لا تعرف المجتمع المخملي
هدايا وشظايا..!
موسم الهجرة للجنوب !!
تبهرنا الكلمات الكبيرة !!
الفئات الهامشية (2/3)

تعليقات القراء على المقال
 
1

تعليق على المقال
اسمك   
بريدك الالكتروني   (اختياري)   
بلدك    
عنوان التعليق   
التعليق   

الرجاء كتابة الكود الظاهر