مقالات اخرى
من وحي خطاب الرئيس أوباما عن حالة الاتحاد
المأجور لا يخلق فناً ومن يتلقى الأوامر لا يبدع
نعم الحـل بحرينيــاً
تلازم الخبز والحرية
التقرير العربي الرابع للتنمية الثقافية
هل يمكن لإقتصادات العجز والمديونيات التغلب على أزمتها
الحـل البحريني للأزمـة
ثمار الفوضى الخلاقـة
هل يمكن الخروج من الأزمة؟
في مديح القرن العشرين
  نسخة للطباعة                        عدد القراءات : ( 90 )


بدر عبدالملك -   


افتتحت قبل أيام صاحبة السمو الأميرة سبيكة قرينة الملك منتزه عوالي ’ كمكان جديد للاسترخاء والراحة ’ بعد أن قرأنا عن منتزه دوحة عراد ’ والذي لا تزال يد العبث والتخريب تمس مرافقه كل يوم ’ ونجهل الدوافع هل هي ظاهرة تخريب اجتماعي ونهج سلوكي ’’ فاندليزم’’ vandalism له علاقة بالعمر والثقافة أم انه عبث منظم وسلوك سياسي يستهدف عرقلة التحولات الاجتماعية باتجاه التحديث والمعاصرة للبحرين ’ في الألفية الثالثة والمتطلعة نحو المستقبل .

ما أثلج صدري في منتزه عوالي وعراد أو ( ع. ع ) هو إن الأول خاص بموظفيه وعائلاتهم والأخر عام للناس جميعا ’ غير إن الفكرة وجوهرها هو الأهم أن يجد كل شخص مكانا يرتاح فيه بعد عناء اليوم هو وأسرته وأقربائه وأصدقائه ’ فالبحرين في النهاية صغيرة وكل منجز جميل ورائع فيها ’ وبالضرورة ستكون فوائده متعددة .
ما جعل منتزه عوالي مهما بالنسبة لي أمور عدة ’ أهمها إن في عهد الإصلاح السياسي ’ تتجه المؤسسة إلى التعاون بين إدارة بابكو والنقابات والموظفين ’ وصارت مختلفة قياسا بمرحلة ما قبل الإصلاح ’ بل وقياسا ابعد بمرحلة بابكو ’ التي كانت تصنف الموظفين حسب أغلالهم وعبوديتهم كعمال مأجورين أو سادة بيض في موقع أرقى هم أيضا عبيد لرأسمال عالمي .

قد تختلف الأمور كثيرا عن عوالي التي عرفتها وأنا شاب في مقتبل العمر ’ عندما كان علينا أن نزور مرضى من عمال حينما ينامون في مستشفى الشركة ’ كما كنت مولعا بكافتيريا بابكو الذي كان احد الكبار حينا يشتري لنا من هناك فاكتشفت إن هناك سندوتشا مثلثا مقطوعا وملفوفا في ورق شفاف ونظيف بسعر يقارب الثلاثين فلسا ’ إذ لم نر سندوتشات من هذا النوع إلا في مزبلة الحورة ’ حينما تأتي سيارة الجيش من المحرق محملة بزبالة العسكر وطعامهم وملوثاتهم ’ ولكنها في النهاية كانت مفيدة للفقراء وكلابهم ولدفن منطقة بحرية ’ ستكون ذات يوم شارعا للحب أو مدينة الحورة الجديدة ’ التي صارت منطقة فنادق سياحية . فأقول لنفسي لكم عجيب الوقت ان تقف هذه الأبنية الجميلة فوق ركام من زبالة وفئران ورمال وأحجار بيوت هدمت وعالم منسي .

عوالي كانت بالنسبة لجيلنا عالم فردوسي يحلم بالعيش في داخله النخبة الأجنبية ’ حتى وان بدت تلك البيوت بلونها الأخضر الخشبي والمحاطة بأشجار صحراوية باهتة من خضرتها ’ إلا إن تنظيم المدينة وطرقها ونمط العيش فيها بدت زاهية أجمل من المدن العصرية في زمننا . عوالي ما لها والي ’ هكذا كانت الأصوات السياسية تعلن احتجاجها في هتافات التظاهرات على هيمنة الأجنبي ’ على منطقة بدت وكأنها مقاطعة وملكية خاصة ببابكو أشبه بأرض سفارة محمية دبلوماسيا ’ عوالي عالم السينما والأحلام لجيل كامل ’ صارت اليوم في حضن شعبها وأرضها وناسها ’ وسيكبر أبناء هذا الوطن وهم يسمعون عن نشرتها ونجمتها وشعاراتها ’ بل والغريب إن نشرة بابكو هي النشرة الوحيدة التي سمح لنا ضابط السجن بقراءتها عندما قلنا له نريد صحفا وكتبا ومجلات .

هكذا ظلت في ذاكرتنا النجمة الأسبوعية الابنة المدللة لبابكو وصوتها الناطق بالعربية والانجليزية . لم يبق في الذاكرة من زمن بابكو في المخيلة إلا عام 1968 عندما زار البحرين فريق الاسماعيلي المصري للعب ضد منتخبنا الوطني ’ وكنت يومها ضمن الفريق ’ وكان على الاتحاد أن يستضيف في مأدبة عشاء الفريق الضيف ’ وقد أقيم في قاعة بلدية المنامة حفلا لائقا وحارا ’ التقيت فيه محمود السعدني الكاتب المصري الساخر ’ وقد أمطر بنكاته المفتش المصري الغزاوي عندما وجده بثوب وعقال ’ فعندما قدموه للسعدني ’ وكان واقفا بيننا ’ينكت ويتحدث بسخريته ’ فما كان منه إلا وان قال للغزاوي ’’ ’’ هو أنت متنكر ليه ! ’’ فاحمر واصفر وجه الغزاوي مفتشنا المدرسي الكبير . ضمن جولات الفريق الضيف للبحرين زار السعدني عوالي وقارنها بالوضع العام في البحرين ولاحظ الفروقات والامتيازات ’ فكتب مقالا نشر في الأضواء ’ وكان عنوان المقالة ’’ ليتني أموت في عوالي أو ادفن في عوالي (إذا لم تخن الذاكرة ) ’’ وفي نهاية مقالته تمنى أن يدفن هناك لكون المدينة فردوسية ! قياسا بالإحياء الشعبية والقرى المتناثرة .

لم يبق السعدني ولا الغزاوي فقد رحلا من عالمنا ’ ولكن الحكايات ظلت ’ كما ظلت عوالي ’ مكانا تاريخيا من الضروري أن نكتب عنه أقصوصة حب ومعاناة ووطن ’ فرمزية عوالي متعددة ’ فمنها انطلقت الأشياء للبحرين الحديثة ومن شركة بابكو صانعة مدينة عوالي ولدت حياة التقدم والتطور مهما كانت قسوتها الاستعمارية . اليوم منتزه عوالي يتجول فيه أبناء الوطن ويتفقدون أنشطته ’ فهنيئا للنخبة وللطبقة العاملة في هذه الشركة التاريخية . وعندما سأزور المنتزه قريبا ’ سأكتب مقالا بعنوان ’’ ليتني ادفن في منتزه عوالي ’’ .


 
الأيام 9 مارس 2010

قائمة التصنيفات

إقتصاد (243)

حقوق وقانون (8)

شئون عمالية (86)

شئون المرأة (54)

شئون الشباب (26)

برلمان (64)

سياسي (2102)

عام (573)

قصيدة (28)

شئون البيـئة (5)

مطارحات فكرية (5)

خاطــرة (1)

New Categoy (0)


مقالات اخرى للكاتب
إيران الحبلى بالتغيير متى ستلد؟
تونس وقراءة في مزاج الشارع العربي (2-2)
تونس وقراءة في مزاج الشارع العربي «1-2»
طفح الكيل... بين قرطاج وحلم ايثاكا
فضيلة الإبداع وورطة السياسة
«فاماه» لا تعرف المجتمع المخملي
هدايا وشظايا..!
موسم الهجرة للجنوب !!
تبهرنا الكلمات الكبيرة !!
الفئات الهامشية (2/3)

تعليقات القراء على المقال
 
1

تعليق على المقال
اسمك   
بريدك الالكتروني   (اختياري)   
بلدك    
عنوان التعليق   
التعليق   

الرجاء كتابة الكود الظاهر