مقالات اخرى
رولا الصفار... ويوم التمريض العالمي- سوسن دهنيم
تنقيح مستحق... وخشية مبررة!
غالبية «ضيّعت صيدتها بعجاجها» !
أحمد معرفي سلاماً
نقص الدولة ونقص المواطنة!
  نسخة للطباعة          عدد القراءات : ( 75 )


صلاح الصيفي -   

يحاول المتخصصون والمعنيون بقضايا المياه لفت انتباه العالم وحكوماته الى أن الأرض بكاملها ستكون مهددة بالعطش منتصف هذا القرن أى في عام 2050، الأمر الذي يرجع لعدد من الأسباب لعل أهمها، الارتفاع المتزايد لسكان العالم، والتلوث، وسوء استخدام المياه خاصة في نظم الري، وبسبب درجة حرارة الأرض الآخذة في الارتفاع، وهو ما يسمى بظاهرة الاحتباس الحراري والتي تزيد من مساحات الجفاف والتصحر.
وربما ذلك هو ما دفع مؤسسة الاستشارات الدولية "برايس-ووترهاوس-كوبرز" للتأكيد بأن النزاعات ستزداد حدة بسبب نقص المياه، فيما حذر آخرون من أن العديد من الحوادث الحدودية المرتبطة بالمياه قد تتحول إلى حروب مفتوحة بسبب النقص المتزايد في هذه الثروة الطبيعية.
وتعتبر منطقة الشرق الأوسط إحدي بقاع العالم التي لا تتوقف فيها ألعاب الحرب علي مدار العام وربما يرجع ذلك الي العقوبة القاسية التي حكمت بها الطبيعة عليه بأن يكون ليس فقط مخزنا لأكبر احتياطيات البترول في العالم ولكن أيضا من خلال كونه من أكثر مناطق العالم ندرة في المياه.. ومن المفارقات الغريبة كما يقول أحد الدبلوماسيين الغربيين أن الدول الغنية بالبترول في المنطقة كلما حفرت بحثا عن آبار للمياه صادفت آبارا للبترول.. ومنذ فترة ليست بالقصيرة يتنبأ أباطرة السياسة والدراسات المستقبلية بأن حروب القرن الواحد والعشرين لن تندلع بسبب البترول وإنما بسبب المياه..

العرب والمياه
أحيانًا حين نتكلم عن "ندرة المياه" أو "حروب المياه"، نتحدث عن تلك الأمور وكأنها أمر بعيد عنا، مع أن كثير من المؤشرات تؤكد أن الدول العربية مقدمة على خطر الشح المائي، فـ 90% من المنطقة العربية من المناطق الجافة، ومع أن الوطن العربي يمتلك 27 ألف كم من السواحل البحرية إلا أن ثماني دول غير عربية تتحكم في 85% من الموارد المائية العربية.
كما أن هناك تراجعًا ملحوظًا في حصة الفرد العربي من المياه، إذ كان متوسط نصيبه يصل إلى 3800م3 سنويا في عام 1950 انخفض إلى 1027 م3 في عام 1996، والآن أصبح أقل من 1000 م3، بينما يقترب مثيله الأفريقي من 5500 م3 سنويا، والآسيوي من 3500 م3 سنويا، ومن المتوقع أن ينخفض متوسط نصيب الفرد العربي من المياه إلى 464 م3 سنويا بحلول عام 2025.
ويفتقر الوطن العربي بشكل عام إلى الموارد المائية الغزيرة باستثناء بعض الأنهار كالنيل ودجلة والفرات، وأدى وقوع جزء منه في المنطقة الجافة أو شبه الجافة من العالم إلى ندرة الموارد المائية لديه؛ مما دفع بعدد من دوله ومنها دول الخليج إلى الاعتماد الكبير على الموارد غير التقليدية وأهمها تحلية المياه المالحة، ومعالجة مياه الصرف الصحي والزراعي.
ويندر أن توجد دولة عربية بمنأى عن ذلك، حتى مصر التي يحسدها الكثيرون على نهر النيل بحاجة إلى أكثر من 73 مليار متر مكعب من المياه لمشاريعها الزراعية التي تغطي 4% فقط من مساحة البلاد، ويقدر خبراء آخرون العجز في المياه الذي تعاني منه مصر بنحو 24 مليار متر مكعب سنويا.
وفي الوقت الذي يغطي فيه نهر النيل 95% من احتياجات مصر المائية، فإن هذا المورد أصبحت تهدده العديد من المخاطر، وعندما كان الأمين العام السابق للأمم المتحدة بطرس بطرس غالي يتقلد أعلى المناصب في الخارجية المصرية حذر عام 1988 من أن "النزاع المقبل في منطقتنا لن يدور حول السياسة بل حول مياه النيل".
وفي الوقت الحالي، هناك قلق مصري متزايد من مطالب بعض دول حوض النيل بمراجعة اتفاقيات تقاسم مياه النيل، وعندما أعلنت كينيا عام 2003 عن نيتها الانسحاب من معاهدة حوض النيل، بالتزامن مع تمرير البرلمان الكيني بيانًا يطلب من الحكومة إعادة التفاوض على معاهدة حوض النيل، وبالتزامن أيضًا مع انسحاب وزيرة المياه الكينية مارثا كاروا من مؤتمر وزراء الري الأفارقة في إثيوبيا بشكل مفاجئ عائدة إلى بلادها (مع أنه كان من المقرر أن تصادق مع زملائها في دول حوض النيل على الوضع الراهن للمعاهدة).
عندما حدث ذلك، تخلت الدبلوماسية المصرية عن هدوئها المعهود ووصفت هذا الأمر بأنه "عمل خطير جدًا يرقى إلى إعلان حرب"، ووجهت مصر تحذيرًا قويا إلى كينيا، مؤكدة مرة أخرى أن انسحاب نيروبي المزمع من معاهدة حوض النيل يعد "خرقًا للقانون الدولي وإعلان حرب"، كما أعلن وقتها وزير الري والموارد المائية المصري محمود أبو زيد في تصريح عنيف لا يخلو من التهديد "أنه لا يستطيع أحد منع مصر من أي إجراء تريد اتخاذه للدفاع عن نفسها".
وقد أصبح واضحًا من توقيت ظهور وإثارة الخلافات، إن قضية مياه نهر النيل باتت ورقة سياسية تريد بعض القوى الإقليمية والدولية استخدامها للضغط ليس فقط على مصر، ولكن أيضًا على السودان لتقديم تنازلات في قضايا سياسية.
وفي منطقتنا العربية، أيضًا لا يجب أن ننسي الخلاف الإسرائيلي اللبناني حول نهر الحاصباني الذي ينبع في لبنان ويصب في نهر الأردن، إذ تتهم تل أبيب بيروت بتحويل مجراه.

تفاقم الجفاف
تؤكد منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة "الأونيسكو" ومركزها في باريس، أن ثلث أحواض الأنهار يتم تقاسمها بين أكثر من دولتين، كما يشير تقرير وزاري فرنسي إلى أن 15 % من بلدان العالم تتلقى أكثر من 50 % من مياهها من دول أخرى، وأن اثنان من اصل ثلاثة من الأنهار الكبرى أو الآبار الجوفية، أي أكثر من 300 في العالم يتم تقاسمهما بين دول عدة، وهو ما يعد بيئة مواتية لنمو النزاعات.
ويؤكد الكثير من الخبراء أن بؤر التوتر الإقليمية المرتبطة بالسيطرة على المياه ستزداد مع تفاقم الجفاف في مختلف أنحاء العالم، وفي ظل الخلافات على الأنهر الحدودية أو العابرة للحدود أو الآبار الجوفية المشتركة التي ترفض الدول تقاسمها.
ومع ذلك، فإن هناك الكثير من الخبراء الذين لا يستهان بآرائهم يرفضون ما يثار من تهويل حول "حروب المياه"، ويؤكد هؤلاء أن القول بإن حروب العالم المستقبلية ستخاض ليس لأجل النفط بل المياه: هو تنبؤ مشؤوم استنبطته كل من وكالة الاستخبارات الأمريكية سي أي آيه ووزارة الدفاع البريطانية، وحتى بعض المسؤولين في البنك الدولي.
ومن بين هؤلاء الخبراء البروفيسور أسيت بيسواس من مركز العالم الثالث من اجل إدارة المياه والحائز على جائزة استوكهولم الدولية للمياه في العام 2006 الذي وصف هذا التهويل بأنه "كلام فارغ"، مؤكدًا  أن مياه الكرة الأرضية تكفي البشرية لفترة 100 عام أخرى, وأن العالم لا يواجه أزمة مائية بسبب ندرة المياه الطبيعية، ولكنه يواجه أزمة سوء إدارة للمياه.
ودحض أيضًا هؤلاء الخبراء والأكاديميون نبوءة "حروب المياه"، معتبرين أنها غير واقعية وبعيدة المنال وواهية بل و"خرافة"، وأنه على الرغم من أن مناطق مهمة في العالم بالفعل ستواجه في غضون عقد أزمات حادة في التزود بالمياه، إلا أن هناك العديد من الأحداث التي أثبتت أن الدول تحسن التعاون فيما بينها حول هذه المسألة، وأن الحكومات مصممة على حل هذه المشكلات من خلال الحوار.
وهكذا، فإنه من الواضح أن هناك إدراك بأن المياه شحيحة بالفعل على الأقل في بعض المناطق وستكون أكثر ندرة وحساسية، لكن هناك أيضًا تفاؤل بأن التعاون الإقليمي سيحول دون النزاع وأن الحوار سينقذ الأجيال المقبلة من حروب متوقعة، مع عدم التهوين في الوقت ذاته من أن هناك مشكلة يواجهها العالم ويجب التصدي لها بغض النظر عن تسميتها "ندرة مياه" أو "سوء إدارة للمياه".
 
منقول من موقع آفاق

قائمة التصنيفات

شؤون طلابية (20)

عام (52)

شئؤن عمالية (8)

سياسي (359)

إقتصاد (7)

شئون شبابية (2)

شـئون المرأة (10)

مترجم (1)

شئون برلمانية (1)

حقوق وقانون (1)


مقالات اخرى للكاتب
حروب المياه .. حقيقة أم خيال..؟!