|
|
|
|
|
صفحة الشخصية
المزيد من الشخصيات
 |
|
|
|
مجيد كنزٌ من الموسيقى
بقلم : أحمد الغانم سبتمبر1999 بمناسبة مهرجان البحرين الدولي للموسيقى الثامن . مجيد مرهون الذي هو من مواليد 1945 ، لم يكن لقائي به إلا في عام 1990 ، لقد سمعت عنه قبلاً و قرأت الكثير و عرفت عنه قبل سنين من هذا التاريخ ، و لا أتصور أنه كان يعلم بوجودي حينها ، حيث ولدت في عام 1970 . لقد كان لقائي الحقيقي به ، عندما أهداني إحدى أهم مقطوعاته الموسيقية ، و قمت بأدائها في أول أمسية موسيقية أقمتها و قدمتها في البحرين ، كان ذلك بنادي باربار الثقافي و الرياضي في 15أكتوبر1990، حينها لم أزل طالباً في السنة الأولى للمرحلة العالية بمعهد الكونسيرفاتوار( القاهرة) ، و بعد انتهائي من تقديم الأمسية جاءني مجيد ليحيني و يبلغني باني أجدت تفسير و أداء موسيقاه، كانت لتلك الكلمات- و التي أحسبني قد لا استحقها و لكنه مجيد قصد أن يشجعني و أن يدفعني للأمام كما يفعل مع الآخرين – أعود لأقول كانت لتلك الكلمات الأثر الكبير في تعميق و توثيق العلاقة بيني و بينه و أشعرتني بأن هذا الإنسان العظيم ، الذي طالما حلمت بلقائه تجمعني الآن به علاقة تبدو و كأنها قديمة و وطيدة . اكتشفت بعد ذلك بأن مجيد مرهون بحر من المعلومات الموسيقية ، لا أظن أنه يخيب ظنك في الرد في حال في سؤاله عن أي أمر في عالم الموسيقى ، فلديه بالتأكيد الإجابة الشافية ، لقد عاصرت مجيد خلال الأيام التي قضيناها في التدريبات لمهرجانات فرقة أجراس ، و كان كثيراً ما يثير استغرابي و يبعث في نفسي الخجل لتواضع معلوماتي بالنسبة له ، حيث كنت أسأل نفسي كيف لهذا الإنسان أن يملك كل هذه الذخيرة من الثقافة و المهارات وهو من أمضى أجمل سنين عمره بعيداً و منعزلاً عن العالم ، بينما نحن الذين في هذه الظروف المنفتحة على العالم ، لا نحظى إلا بالشئ اليسير ؟ الغريب في الأمر أنه على الرغم من كل هذا لم يكن يشعرك يوماً بجهلك أو بتواضع معلوماتك ، لقد كان يحاور و يناقش كما لو كان محاوره يملك ما يملكه هو ..! ،كما لاحظت أيضاً أن هذا الأسلوب يتبعه في طريقة تدرسيه مع تلامذته في المكتبة الموسيقية التابعة للمكتبة العامة للمنامة ، فأذكر أني كلما ذهبت إلى هناك وجدته مع عدد منهم في جو مفعم بالصداقة و المرح ، لا يشعرك بجو الدرس التقليدي بين الأستاذ و التلميذ ، و لا يخفى على أحد كانت نتاجاته بعد ذلك مع تلامذته .. موسيقى مجيد على درجة من الوضوح بالنسبة للكثيرين ،و يرجع ذلك لأسلوبه الكلاسيكي من ناحية و لوضوح الأفكار اللحنية و بروزها من ناحية أخرى .قمت بعزف غالبية أعماله الموسيقية التي كتبها لآلة الفلوت المنفرد ، و أنه لم بواعث فخري و اعتزازي أن أربع منها مقدمة كأهداء لي في عنوان العمل المخطوط أو خاتمته ، وهذه اللفتة منه ، لاتقدر بثمن بالنسبة لي ، حيث أن الكثير من العازفين يفاخرون بين أندادهم إن هم حظوا بإهداء عمل موسيقي من مؤلف ما ، فكيف لي أنا و أنا أتلقى هذا الإهداء الثمين من الفنان مجيد ذات نفسه . من خلال عزفي لأعمال مجيد اكتشفت كما أسلفت بأن أسلوبها كلاسيكي الطابع ، تحمل بين ثناياها روح مجيد العربية المتمثلة في لمس بعض المقامات العربية ، إلا أن السمة الغالبة في تلك الأعمال هو ما تحويه من حزن و ألم دفين ، يجرك نحو (جمرة ) مدفونة بين النغمات ، و لكي تشعر بالارتياح و فهم المقطوعة عليك بنفث الرماد من على تلك الجمرة ، و قد يتطلب ذلك منك الجهد و الوقت سواءً في البحث أو النفخ لإيقاد تلك الجمرة ، فإن وجدتها فلسوف تلسع قلبك و يقشعر بدنك ، و قد يتبعا ذلك دمعة تترقرق في مقلتيك ، ولكن بالتأكيد سوف تشعر بعدها بارتياح كبير و غريب و جميل ... كتابته لآلة الفلوت تدل على مقدرة فائقة في فهم إمكانيات الآلة ، و في أساليب و طرق العزف عليها سواء تلك القديمة أو الحديثة ، و حتى بالنسبة للأعمال الموسيقية التي لم يكتبها أساساً للفلوت ، مثل ( إلى معشوقة الروح ) و التي كتبها في الأصل للساكسفون و البيانو ، و لكني بعد أن سمعتها منه طلبت منه أن يكتبها للفلوت ، فلم يتردد أبدا فأعاد كتابتها لـتأتي ملائمة تماماً و كأنها كتبت بالأساس للفلوت و البيانو . بقي أن نعرف أن الأمر الذي أدهشني و يدهش الكثيرين من حولي هو سرعة إنتاجه الموسيقي و طريقته في الـتأليف ، فيحدث كثيراً أن يقول لي في إحدى اللقاءات بأنه سوف يكتب عمل موسيقي لي بعد يومين ، و فعلاً يأتيني اتصاله بعد يومين ليخبرني بأن العمل جاهز ..! ، أما الأمر الأكثر إدهاشاً هو الطريقة التي يعتمدها في الـتأليف ، إنه لا يستخدم آلة موسيقية ، بل يعتمد على فمه و إذنه و خياله ، لصياغة الألحان و بناء الهارمونيات ؟ ، لقد فعلها من قبل بيتهوفن عندما كتب سيمفونيته التاسعة وهو في حالة صمم تام ، و لكن مجيد يفعلها الآن و هو يسمع ، فهل لنا أن نقدر هذا الإنسان العظيم بما يملك من مهارات ، سيتعصي على الكثيرين القيام بها . ومن هذا المقام أقدم أعظم تحياتي لهذا الفنان العظيم .
| |
|
|
|
|
|
|
|
|