|
|
|
|
|
صفحة الشخصية
المزيد من الشخصيات
 |
|
|
|
المأزق المتلبس في الثقافة
كم جبهة يتعين على المثقف العربي خوض غمارها فيما يسعى جاهداً لتوفير القوت لنفسه ولأطفاله أن أمهلته المعارك لينجب أطفالاً ثم يطعمهم بنفسه؟ الجبهة الأولى الحضارية هي الجامع المشترك لكل الجبهات فليس هناك فصل في معركة الثقافة الإنسانية بين ما هو خارجي وما هو داخلي – وطني – فالمثقف الإنساني النزعة البعيد عن نزعة الاستغلال وتزوير التاريخ يلتقط دائماً ما هو إنساني مشترك بين ذاته والآخرين وبين شعبه وشعوب الأرض وبين شعبه والإنسانية جمعاء في الماضي والحاضر، ومن هنا يمكن التعرف ببساطة على ما هو إنساني مشترك بين ثقافات الشعوب ومثقفيها ومن هنا تبدو المعارك الثقافية إنسانية عامة بقدر ما هي وطنية خاصة – ولذلك تتكشف المعركة الثقافية في الوطن العربي ضد الثقافة الصهيونية الاستغلالية والتي تأخذ شعار مقاومة التطبيع الثقافي مع إسرائيل وثقافتها العنصرية باعتبارها معركة إنسانية ترفض بحزم مصادرة الثقافة الفلسطينية التي تمارسها إسرائيل ضد الشعب الفلسطيني وتعامله "كسكان عرب" في "إسرائيل" كما ترفض بحزم الممارسات العدوانية الإسرائيلية ضد الشعب اللبناني وباقي الشعوب العربية. وخوض غمار هذه الجبهة التي تعتبر خط الدفاع الأول عن إنسانية الثقافة العربية وضد مصادرتها ومصادرة المثقف تتطلب حشداً ثقافياً عربياً يعيقه ويضعف منه اضطرار المثقف العربي لخوض غمار معارك الجبهة الداخلية (الثانية) ولكن الأخطر أيضاً لأنها تهدد حياته.. أي دفاعه عن حقوق حريته الفكرية ومقاومة من يحاول سلبها منه تحت دعاوي "التكفير" والردة ! فالفكر العربي ظل يعاني من الحجر عليه ومن وصاية من فرضوا أنفسهم أوصياء على ضمائر البشر وجعلوا من أنفسهم قضاة وجلادين في آن مرغمين كل مثقف على تحسس رقبته كلما خط قلمه حرفاً حتى أصبح الهاجس الأول لدى المثقف مقاومة هذا الخطر الداخلي على حياته مما جعله ينشغل عن مهامه الإبداعية وجعل قضية دفاعه عن حرية الفكر والديمقراطية في موضع الشك في نفسه حيث انطلاقته الإبداعية تهدد حياته مما يجعله في الوضع الذي يرغمه أحياناً إلى اللجوء إلى نظام سياسي يعارضه باعتباره أهون الشرين طالما الشر الآخر الذي يتربص به مخلياً نفسه من مسئولية ملاحقته وتهديده بالقتل وهكذا اختلطت الأمور على المثقف ليجد بعض المثقفين أنفسهم وقد "اجلوا" المسألة الديمقراطية بحجة تهديد "محاكم التفتيش الديني" لحياتهم! أي أن المثقف مرغم أما على وضع حريته الثقافية في المقام الأول والبحث عن "ملجأ أمن" في أي حضن كان ليمارس إبداعه الأدبي وأما الدفاع عن الديمقراطية دون أي سند يحميه من أي جهة كانت أي يدخل في مغامرة القفز في المجهول! أما اندفاع الباحث والمفكر في شئون الثقافة يفاجئه ذلك "الوصي" على حرية الفكر باتهامات تؤدي في النهاية إلى " فتوى" بإباحة دمه: فيصدمه ذلك ويرغمه أما إلى التراجع – وأن مؤقتاً وأما إلى البحث عما هو "ارحم" لنفسه.. وبهذه الإشكالية التي يقع فيها المثقف أو يرغم عليها ويدفع دفعاً إلى البحث عن حماية تجد الثقافة نفسها ومعها حرية الإبداع مهددة بالتدمير الداخلي المؤكد مما يضعف من مقاومة الجبهة الثقافية للتصدي للأخطار التي تهددها! وأمامنا عدة أمثلة من مصر والجزائر ولبنان وقائمة بشهداء الفكر والثقافة تبدأ بالعلامة الشهيد حسين مروة وتنتهي بقائمة من الأدباء والفنانين الجزائريين وبينهما فرج فوده ومهدي عامل ومحاولة اغتيال نجيب محفوظ ومصادرات لكتب مع سيوف لا تزال مسلطة على الدكتور نصر حامد أبو زيد والدكتور حسن حنفي من مصر وليلى العثمان وعالية شعيب من الكويت....أي الخارطة العربية تضج بالشراك المنصوبة للمثقف والثقافة. والسؤال الخطير المقلق هنا هو أين تقع الديمقراطية في كل هذا الخلط؟ وما علاقة تلك الجبهة الداخلية الملتهبة بالجبهة الثقافية في الخطوط الأولى للصراع العربي – الصهيوني؟؟ لا يمكن التصديق بأن من يحرص على قتل المثقف المدافع عن حرية الفكر سيتصدى لمن يحرض على قتل الشعوب العربية ونهبها!
الراية القطرية 3 يوليو 1997
| |
|
|
|
|
|
|
|
|