|
المهرة والريح!
المهرة الجموح المشاكسة، اعتلت صهوة الريح-كعادتها، غير مبالية بعنادي راكضاً خلفها.. تجر غباري وصهيلي، حتى مواسم الأفول من صهيل لصهيل مهرتي وأنا عاشقها، لم يفرد الخوف جناحيه بيننا.. كانت لنا الشطّان وحرقة الشموس، ووحدنّا النقيضان في جسد الرماد! مرة أخشى عليها.. ومرة أخاف منها ومرة توسدني الحنين وترمح في جبال، فأدور في زوابع الدخان أغالب المدى كأنما النهار يكذب مرتين، مرة حين يجيء.. ومرة حين يلوح بأنه انتهى ولا أرى غير بديات بلا سدى! ومهرتي تطوف من باب الخريطة حتى آخر المدى، وتعود جامحة تنثر شعرها بيني وبين شموخها. - أتعبتني من الأحزان والأخبار، فابتعد عني لأصهل فيك.. افتكرك قافلة تدلها الواحات لأول نخلة، فترتديك أو تهرب فيك. أنت الذي أضعت غابات النخيل، وبيدرا من برتقال وجئت تبكي غدر الأحبة فيك، يفترشون جفونك المدماة ويرقصون، هنا ظلال الياسمين، هنا رياح الصمت تفرخ حولنا أغاني هاجرت منذ سنين، فتظل مرتعشا تلتحف الحنين مرافئ بلا سفن، ولا منارات من بين السنين، أنا الذي نظرت إليه عيون الخلق فانفطرت، أراجع ما تجود به ذاكرة المهر الجموح، لتظل مورقة تلك البقايا في الرميم!
- شهادة أولى :
تشهد المهرة أنها ركضت من قاع الخليج إلى قاع المحيط فما رأت على الخرائط إلا قافلة من السبايا أضاعتها الرياح، وحينما تعلقت بذيلها جمحت فانفطر الخليج و غامت فوقه السحب.
- شهادة ثانية :
من الماء إلى الماء تعودت عيوننا على منظر واحد فقط، شنفة تصافح أختها وتوصيها علينا!
- شهادة ثالثة :
خرجنا من التاريخ ودخلنا في الجغرافيا من أوسع أبوابها! كلما توقفت تلك المهرة تلتقط أنفاسها تكاثر عشاقها، وحينما تنطلق يتبعثر العاشقون.. بين غاضب وخائف.. و وحدي الذي تعلقت بها على طول السنين، وجوعها وبردها، ووحدي الذي رفع الصدر للسهام ترسا لها.. وحتى عندما ضاعت كنت هناك، وكانت تنتظرني بسيول من العرق تفصدت من قدها الممشوق فحسبت إنني المعشوق.. لكن!
من يفتح باب الصمت، لا يحصد هجس الصحو، يطل عليه سهيل البحر أوراقا تسأل عن قاتل! لا تفتحي الأبواب أيتها المهر العجول.. استشمسي من تعبي فاني موغل في حفيف رياحك حتى آخر الشعاع كلما رشفت كأساً من تعب الغياب عنك بادرتني شوارد صمتك بكأس مثلها، حتى كأنني نذرت لكؤوس من عرقك احتسيها واحداً فواحداً وبعد كل مشهد أعيدها مليئة لآخر الزمان! هذه المهرة وحدها ظلت عصية على الموت كما يقال!
أخبار الخليج 9 أغسطس 1993
|