|
كلمة الأمين العام للمنبر التقدمي في افتتاح المؤتمر العام الرابع للمنبر
29 فبراير2008
اسمحوا لي في البداية أن أتوجه بتحية الشكر والتقدير للأخوة الأمناء العامين وممثلي الجمعيات السياسية والاتحادات الجماهيرية ومؤسسات المجتمع المدني، وأن أشكرهم على كلماتهم الطيبة التي تفضلوا بها، وأؤكد لهم حرص المنبر التقدمي على المزيد من التعاون والتنسيق مع جمعياتهم، بما يخدم أهداف نضالنا المشترك في سبيل التحولات الديمقراطية الجدية. والشكر موصول أيضا لضيوف هذا المؤتمر من شخصيات وطنية واعلاميين وناشطين في الحقلين السياسي والاجتماعي. أيها الرفاق والرفيقات، والأخوة والأخوات نعقد اليوم مؤتمرين، أحدهما استثنائي والثاني مؤتمر عادي، سيكُرس الأول لإقرار بعض التعديلات على النظام الأساسي للمنبر على ضوء ما كشفت عنه التجربة التنظيمية السابقة، من أجل تجويد أداء المنبر وتعزيز الممارسة الديمقراطية ومبادئ الالتزام الحزبي في صفوفه وهيئاته القيادية والقاعدية. أما المؤتمر العام الرابع الذي سيلي المؤتمر الاستثنائي فسيناقش ويقر تقارير اللجنة المركزية ومكتبها السياسي، كما سيقر الوثائق التي جرت مناقشتها باستفاضة في الورش التي نظمت لأعضاء المنبر، وشملت المحاور الفكرية والسياسية والتنظيمية واليات العمل الجماهيري، حيث أدخلت تعديلات مهمة على المسودات الأولى لهذه الوثائق في ضوء ما قدم من أفكار من قبل أعضاء المنبر وكوادره، وكذلك من قبل بعض الشخصيات الوطنية من أصدقاء المنبر، ولهؤلاء أود أن أعبر عن الشكر والامتنان لملاحظاتهم القيمة التي أثرت هذه الوثائق، التي ستشكل مرجعاً ومرشدَ عمل لنا في الفترة القادمة. وأود في هذا اليوم أن احيي في هذا اليوم الذكرى العطرة للقائد الوطني الكبير، الأمين العام لجبهة التحرير الوطني البحرانية وأول رئيس للمنبر التقدمي المناضل أحمد الذوادي الذي غادرنا بعد انعقاد مؤتمرنا العام السابق، ولكنه باقٍ معنا بأفكاره وبقوة المثال الذي تجسد في سيرته الكفاحية، وبالنهج السياسي الذي اختطه في الظروف المختلفة، بما في ذلك في الفترة التي تلت الانفراج السياسي والأمني الذي شهدته البحرين بعد تولي جلالة الملك لمقاليد الحكم. إن إحياء وتكريم ذكرى أحمد الذوادي يصب في صلب كل هذه المهام، لأنها هي المهام ذاتها التي وهبها الفقيد حياته، وهي ذاتها المهام التي سنواصل نحن رفاقه في المنبر التقدمي وفي التيار الديمقراطي كله بقواه وشخصياته النضال في سبيلها حتى نبني البحرين الديمقراطية الحرة التي حلم بها جيل أحمد الذوادي وناضل في سبيلها. لقد أقرت لجنتنا المركزية اطلاق اسم المناضل أحمد الذوادي على هذا المؤتمر، ليس فقط تخليداً لذكراه وتأكيداً لمكانته في عقولنا وقلوبنا، وانما أيضا صوناً للفكرة التي حرص عليها الراحل الكبير بأن يظل منبرنا موحداً وفعالاً، ففي ذلك وفاء لتضحيات أجيال كاملة من المناضلين الذي يعبر هذا المنبر عن تيارهم الراسخ بجذوره في تربة هذا الوطن وفي وجدان شعبه، وهي المهمة التي وضعناها نصب أعيننا، وتخطينا من أجلها بعض المصاعب التي اعترت حياة المنبر الداخلية في فترة سابقة. نريد لهذا المؤتمر في توجهه وسير أعماله أن يكون تأكيداً على القيم والأفكار التي جسدها أحمد الذوادي في فكره وعمله طوال أكثر من خمسين عاماً، لم تفت من عضده لا السجون والمعتقلات، ولا المنافي ولا حتى المرض الذي ظل الفقيد يصارعه بشجاعة حتى آخر لحظة. ثمة رسالة أخرى نود إيصالها من ذلك هي تقديرنا وإجلالنا للتراث الكفاحي المجيد الذي يعبر أحمد الذوادي ورفاقه من مؤسسي وقادة جبهة التحرير والحركة الوطنية والديمقراطية في بلادنا، وعدد من هؤلاء موجودون في هذه القاعة، ولهؤلاء وللغائبين منهم نوجه تحية التقدير والوفاء سواء كانوا في صفوف المنبر اليوم أو خارجه . نحن اليوم في أمس الحاجة لكتابة وقائع هذا التراث وتدوينه، بكل ما فيه من تضحيات وبطولات وصعوبات، ليكون تحت تصرف الأجيال الجديدة من مناضلينا وجماهير شعبنا، وبالتأكيد فإننا نفرق بين هذه المهمة النبيلة وبين تشويه هذا التاريخ والتعريض برموزه . هذا التاريخ المجيد صنعته تضحيات المئات من النساء والرجال الذين ناضلوا في صمت ونكران ذات، إن العشرات من قادة وكوادر ومناضلي جبهة التحرير والحركة الوطنية ما زالوا أحياء يرزقون، وهؤلاء الرجال المعتزون بدورهم وتاريخهم وتضحياتهم، يحفظون في صدورهم وقلوبهم معلومات ثمينة عن أدوارهم الكفاحية يفضلون أن تبقى أسرارا تعبيراً عن تواضعهم وتفانيهم. أود في هذه المناسبة أيضا أن احيي ذكرى بعض الرفاق الذين غادرونا منذ المؤتمر السابق، وأخص بالذكر منهم النقابيين حميد عواجي وكريم سلمان، وأن أعبر عن تمنيات أعضاء المنبر وأصدقائه بالشفاء العاجل للمناضلين القائد عبد الرحمن النعيمي رئيس الهيئة المركزية لجمعية العمل الوطني الديمقراطي والفنان مجيد مرهون عضو المنبر التقدمي. أيها الأخوة والأخوات، حللت الوثائق التي سيناقشها ويقرها مؤتمرنا العام الرابع التعقيدات والصعوبات الكثيرة المحيطة بالعملية السياسية في البلاد، خاصة أمام اشتداد مخاطر التفتيت المذهبي والطائفي والعرقي التي استفحلت في الآونة الأخيرة، والتي باتت تشكل تهديداً خطراً للوحدة الوطنية لمجتمعنا، والتي شكل التمسك بها حجر الزاوية في مجمل نهج هذه الحركة. اليوم، كما بالأمس، يتعين على التيار الديمقراطي أن يكون جسورا ومقداما وثابتا في التمسك بشعار الوحدة الوطنية، وأن يرفع رايتها في كل موقع، ردا على دعاوى الفرقة والتسعير الطائفي والعرقي التي تقف وراءها قوى لا تريد خيراً لهذا الوطن ولا لمستقبله، وتسعى لإفراغ العملية الإصلاحية من محتواها، وإغراق الوطن في صغائر الأمور بدل أن نتوجه جميعا نحو قضايانا الكبرى في البناء الديمقراطي والتنمية المستدامة المتوازنة، وفي تكريس المواطنة المتكافئة في الحقوق والواجبات، بعيدا عن صور التمييز كافة. لقد تابعنا ما شهدته الجلسة الأخيرة لمجلس النواب، على خلفية الاستجواب المقدم من قبل كتلة الوفاق للوزير أحمد عطية الله، والاستجواب حق أصيل لمجلس النواب، ويدخل في صميم الدور الرقابي الملقى على عاتق المجلس، وكان غريباً هذا التكالب من بقية الكتل للحيلولة دون ذلك، مع أن المفترض أن يكون نواب الشعب حريصين على عدم المساس بصلاحيات مجلسهم ودوره الرقابي، خاصة وان الاستجواب لا يعني بالضرورة الوصول إلى سحب الثقة من أي وزير يطاله، إذا لم ير المجلس ذلك. إن ما يبعث على القلق ليس فقط هروب المجلس بغالبية كتله من مسؤولياته الرقابية، وإنما أيضاً هذا الاصطفاف الطائفي الذي شهدناه في الجلسة الأخيرة، وفي مناسبات أخرى سابقة، ويمكن أن نشهده في المستقبل، وهو الأمر الذي أكد ما حذرنا منه من أن مجلساً يغيب عنه ممثلو التيار الديمقراطي وشخصياته، سيتحول، بالضرورة، إلى مجلسٍ للتجاذب الطائفي، وهو أمر سينعكس بالنتيجة على الشارع وعلى البنى الاجتماعية المختلفة، خاصة مع وجود نواب احترفوا مهمة التسعير الطائفي البغيض. إن التركيبة الراهنة للمجلس تتيح إسباغ الصفة الطائفية حتى على تلك الملفات الواضحة في أبعادها الاجتماعية والوطنية، في ظل تخاذل غالبية نواب المجلس عن التعاطي المشترك مع هذه الملفات. ويظل جوهريا في عملنا التأكيد على العلمانية، مفهوما وممارسة، بوصفها جامعا مشتركا بين قوى وشرائح اجتماعية واسعة في مجتمعنا، تشكل مصداً اجتماعيا وفكرياً لمساعي الارتداد عن المنجز التنويري والمزاج المنفتح للمجتمع البحريني وعن طابعه التعددي، والمحافظة على فصل المواطنة عن المذهبية، وفي رفض تحويل الدولة المدنية إلى دولة دينية، مع التأكيد على احترام معتقدات الشعب ووجدانه وعاداته، وضمان حرية الدين والمعتقد. ويفاقم من دقة الوضع الناشئ في البلد اليوم حالة المراوحة العامة التي تعاني منها البلاد، في غياب الإرادة الحقيقية لتسوية وحل الكثير من القضايا التي ورثناها من مرحلة أمن الدولة، وأدى ترحيلها المستمر إلى تفاقمها يوماً عن يوم. فكان المؤمل والمفترض أن تشكل تدابير الانفراج السياسي والأمني التي أقدم عليها جلالة الملك في مطالع مشروعه لانتشال البلد من مأزقها، مقدمة لإستراتيجية إصلاحية شاملة تطال مختلف الجوانب السياسية والاجتماعية والاقتصادية، ولكن الأمور لم تسر في هذه الوجهة. ويمكن أن نسوق في هذا المجال عدة أمثلة ، بينها ملف ضحايا التعذيب في حقبة قانون امن الدولة، فلدى الدولة ما يكفي من الأموال التي يمكن من خلالها تقديم تعويضات لهؤلاء الضحايا وعائلات الشهداء منهم. إن السبب في كون الدولة لا تريد تسوية هذا الملف وصولا إلى إغلاقه، هو أنها لا تريد أن تعترف بأن أجهزتها الأمنية أوقعت من الأضرار الجسدية والمعنوية الشيء الكثير بالمئات من المعتقلين، وإنها أقدمت على انتهاكات لحقوق الإنسان، مخالفة بذلك ما هو مرعي من قوانين وأعراف دولية، لا بل وما يناقض الأحكام الدستورية والقانونية في البحرين ذاتها. الإقرار بذلك يؤسس لثقافة سياسية جديدة في البلد، هي ثقافة حقوق الإنسان، ومنع الإضرار به بدنيا ومعنويا، والالتزام بالمعايير الدولية في هذا المجال، فضلاً عن أن هذا الاعتراف سينطوي حكما على إقرار من قبل الدولة إنها لم تصغ علاقتها، ليس فقط مع معارضيها وإنما مع المجتمع عامة بروح العدالة والإنصاف، وهو إقرار سيشكل دفعة جدية لعلاقة جديدة سوية قائمة على مبدأ الشراكة والتفاهم، تفتح لوطننا آفاقا أرحب. مثل هذه المبادرة ستظل مطلوبة، لا بل وملحة، ليس انطلاقا من رغبة في الثأر والتشفي أو الانتقام، وإنما من منطلق التأكيد على العظة التاريخية، ومن أجل احتواء البيئة التي يمكن أن تؤسس مجدداً لممارسات القمع وانتهاك حقوق الإنسان، التي دفع شعبنا ثمنا باهظا بسببها، وسببت جراحا وآلاما بحاجة إلى مداواة. إن ترك هذا الملف مفتوحا، يعني بوضوح أن العودة إلى هذه الممارسات ستظل خيارا مفتوحا، وهناك مؤشرات مقلقة في هذا الصدد رصدها المحامون والهيئات الحقوقية المعنية في طريقة التعاطي مع الموقوفين في أحداث ديسمبر الماضي. ويزداد الوضع المعيشي للمواطنين بؤسا وتفاقما، رغم الوفرة المالية الكبيرة الناجمة عن الطفرة الجديدة وغير المسبوقة في أسعار النفط، فالارتفاع المستمر في أسعار المواد الغذائية الضرورية التهم الزيادة المتواضعة في أجور العاملين بالقطاع الحكومي، وما زال مبلغ الأربعين ملين دينار التي يدور الحديث عنها موضع جدل بين مجلس النواب والحكومة، بطريقة تشعر المواطن بالاهانة والمذلة في انتظار مبلغ متواضع لن يفعل الشيء الكثير في مواجهة غول الغلاء المستشري. وما يقال عن الغلاء وتدني الأجور يقال عن معضلات اجتماعية واقتصادية عديدة بينها البطالة المتفشية في صفوف قطاعات واسعة من الشباب، وأزمة السكن التي ما زالت المعالجات الحكومية قاصرة عن حلها، وتشهد الخدمات الصحية والتعليمية مزيدا من التردي، في ظل الزيادة المضطردة في عدد السكان بفعل عملية التجنيس المستمرة، والاستقدام الواسع للعمالة الأجنبية، والتي تتعرض هي الأخرى لاستغلال مضاعف، عبرت عنه الإضرابات والاحتجاجات الأخيرة التي قام بها العمال الهنود. وهناك قلق في الأوساط الشعبية من أن الإصلاحات الاقتصادية التي يدور عنها الحديث يمكن أن تمس بالضمانات الاجتماعية التي تقدم للمواطنين ولو في حدودها الدنيا وبمستوى يعاني من أوجه ترد كثيرة، خاصة مع هذا الميل المتزايد تحو خصخصة قطاعات حيوية، وقد وجدنا نماذج لما يمكن أن يؤدي إليه هذا النهج في أزمة القمامة التي عانت منها بعض محافظات البلاد في الفترة القليلة الماضية. إن أوجه الإصلاح متلازمة ومترابطة، فالبناء الديمقراطي في البلد لن يتم، ما لم يصر إلى إصلاح سياسي ودستوري وتشريعي شامل، يعزز الصلاحيات التشريعية والرقابية للمجلس المنتخب، ويوسع من دور المجالس البلدية، ويحرر التشريعات النافدة من الكوابح التي تقيد الحريات العامة، خاصة حرية التعبير والتنظيم والاحتجاج، ويطلق حرية العمل النقابي في القطاعات المختلفة، خاصة في القطاع الحكومي. وفي هذا المجال فان المنبر التقدمي يؤكد على وحدة الطبقة العاملة البحرينية وأداتها النقابية ممثلة في الاتحاد العام لنقابات عمال البحرين، الذي يجب العمل على تعزيز دوره وتوسيع دائرة تمثيله للحركة النقابية البحرينية بوجه أي محاولة لتفتيتها. ونؤكد أيضا على دعمنا لجهود الحركة النسائية البحرينية بقيادة الاتحاد النسائي، من أجل إنصاف المرأة وضمان حقوقها وتفعيل الاتفاقيات الدولية الكافلة لهذه الحقوق، ومن أجل قانون عصري متوافق عليه للأحوال الشخصية يحمي المرأة والأسرة من أوجه التعسف المختلفة. إن المنبر التقدمي يعبر عن وقوفه إلى جانب نضال الشعب الفلسطيني من اجل نيل حقوقه الشرعية، وفي مقدمتها حقه في العودة إلى أرضه وإقامة دولته الوطنية المستقلة، ويدعو إلى وقف الاقتتال الفلسطيني الداخلي وتوحيد الجهود في إطار الشرعية الفلسطينية، كما نعبر عن وقوفنا إلى جانب الشعب العراقي الشقيق وقواه الوطنية والديمقراطية من أجل إنهاء الاحتلال الأمريكي واستعادة الدولة الوطنية العراقية الموحدة، وإقامة نظام ديمقراطي غير طائفي، وندعم جهود القوى الوطنية اللبنانية من اجل تجنيب البلد مخاطر الحرب الأهلية والفتنة الطائفية. ولا يقل أهمية عن كل ما ذكرنا ضرورة إعادة الاعتبار لشعار معاداة الامبريالية، ولمجمل نهجهها العدواني في منطقتنا وفي مناطق العالم المختلفة، حيث أدت هيمنة المحافظين الجدد على مواقع القرار في الولايات المتحدة، وتمكنهم من توجيه تحالف المجمع الصناعي – الحربي نحو خدمة أهدافهم في الهيمنة إلى تعزيز نهج التوسع الكوني، والى فرض مناخ رجعي في العلاقات الدولية، تعزز بصعود الاتجاهات اليمينية إلى السلطة في بلدان أوروبية مفصلية كبريطانيا وألمانيا وفرنسا. ومن هنا نؤكد على أهمية التضامن الاممي مع الشعوب المناضلة ضد الامبريالية ومن اجل الاستقلال والسيطرة على الثروات الوطنية، ورفض منطق شن الحروب واحتلال البلدان والتدخل في الشؤون الداخلية للدول ودعم الأنظمة الديكتاتورية والرجعية وحمايتها، وتوظيف المنظمات الدولية، بما فيها مجلس الأمن وهيئة الأمم المتحدة، نحو خدمة أغراض التوسع والعدوان. ويفرق المنبر التقدمي في هذا المجال بين النضال ضد الامبريالية والاحتلال وأنظمة الاستبداد، وبين الأنشطة الإرهابية والتخريبية، التي تقوم بها الجماعات الأصولية والمتطرفة، ويرى في سلوك وفكر هذه المجتمعات خطرا، لا يقل عن خطر الامبريالية، لما يشكله من ردة على المنجز الحضاري البشري، واستخفافا بأرواح البشر، وترويج لفكر عبثي عدمي مسدود الأفق.
|