ثاني عشر:  الوضع الدولي
 
 

بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، تبوأت الولايات المتحدة الأمريكية قيادة العالم الأحادي القطب، كما شهد العقد الأخير للقرن العشرين صعود التيار الأكثر يمينية في ا لحياة السياسية الأمريكية.
 
وقد تم خلق الأرضية المادية للعولمة الاقتصادية عبر تحقيق الترابط بين الدول من خلال تدفقات رأس المال ونشوء الشركات متعددة القوميات وتدويل عمليات الإنتاج نفسها.  وأصبحت العديد من المؤسسات الاقتصادية والسياسية الليبرالية وعدم تدخل الدولة في الاقتصاد وتصفي وتدمر كل الأنظمة التي لا تخضع لهيمنة آليات السوق وتمنع أو تحد من عمليات التراكم.  ويعاد تنظيم الهياكل الإنتاجية بما يناسب التقسيم الدولي الجديد للعمل الذي يتميز بتركيز الأموال والخدمات والتكنولوجيا والمعرفة في الشمال، وجعل الإنتاج الذي يتطلب العمالة الكثيفة والرخيصة في الجنوب.
 
لقد أضرت حركة رأس المال حتى بتجانس الطبقة العاملة، إذ أن العمالة الأجنبية حين تنتقل من الأطراف إلى المركز بسبب تحرك رأس المال فإنها تستبعد من العمل في القطاعات الاقتصادية الإستراتيجية باعتبارها عمالة متدنية المستوى، ويزداد اضطهاد فئات العرقية والعنصرية والنسائية وتتحول الطبقة العاملة شيئاً فشيئاً إلى طبقة غير متجانسة تنخرها العنصرية والعرقية مما يؤثر على قدرتها النضالية.
 
أما العنصر الثقافي - الأيديولوجي للعولمة فيتمثل في ترويج الثقافة الاستهلاكية وتبرير التنافس الفردي على أنه أعلى قيمة من رفاهية الجماعة.  ويتم كبح جماح أي عمل جماعي يسعى لتحقيق تغيير اجتماعي، ويتم اختراق وإفساد وإعادة تشكيل المؤسسات الثقافية والهويات الجمعية والضمير العام بتحويل مساره إلى البحث عن البقاء والاستهلاك الشخصي، وتعميم الثقافة البصرية التي تركز على التأثيرات الفورية وعلى الجرعة الحسية وذوبان العلاقات والصور، واختلاط الرموز كأدلة على اختراق الثقافة الاستهلاكية لبنى المجتمع في العمق، مما يغرق الناس في أوهام الاستهلاك ويشيع التسطيح الفكري من خلال استشراء سطوة الإعلام المرئي الذي يهندس العالم كله وفق نموذج واحد، كانعكاس للتدويل الواسع لرأس المال الذي يفرض بدوره أنماط سلوك محددة في الذوق وفي نمط الحياة عامة.
 
على الصعيد السياسي لا يمكن إلا ملاحظة الميول المتناقضة للتطورات الموضوعية، فالمعطيات الجديدة تفرض الديمقراطية بوصفها أسلوب حكم وحياة جديداً وبديلاً للأنظمة الشمولية والديكتاتورية، إلا أن العولمة في واقع الأمر تقف على نقيض هذا الموقف لأنها تسعى لإشاعة النظام الاجتماعي الذي يلبي مصالحها باعتماد نموذج الدولة الليبرالية الجديدة.
 
وعلى صعيد مشابه فإن العولمة الثقافية والسياسية ذات وجهين، فهي إذ تسعى لتنميط العالم ثقافياً وإعلامياً وقيمياً فإنها بالمقابل تستثير وتحرض عوامل "المقاومة" والرفض في بنى الثقافات الأخرى التي يراد عولمتها قسراً، مما يخلق ميلاً متزايداً يرتدى في حالات كثيرة مظاهر عنيفة على نحو ما نجده في موجة الإرهاب التي تجتاح العالم، بهذا المعنى فإن العولمة تعمل وفق آليتين متناقضتين تدفعان بنتائج متطرفة في الحالين.
 
وانطلاقاً من هذا الواقع العالمي الجديد، يمكن ملاحظة وتأكيد الحقائق الموضوعية التالية:
 
- تراجع دور منظمة الأمم المتحدة لصالح تفرد القرار الأمريكي، وضعف دور المنظمات العالمية الأخرى مثل حركة عدم الانحياز وسواها.
 
- ازدياد عسكرة العلاقات الدولية واللجوء للحلول العسكرية لحل النزاعات العرقية والحدودية.
 
- سعي الولايات المتحدة الأمريكية إلى السيطرة على الطاقة في العالم والتحكم بها وذلك عن طريق إحكام قبضتها على منابع النفط في العالم. 

 - استغلال الولايات المتحدة محاربة الإرهاب تارة والامتناع عن إنتاج أسلحة الدمار الشامل ضد الدول التي لا تسير في فلكها بتهديدها بالمقاطعة والحصار الاقتصاديين أو تهديدها عسكرياً بالاحتلال المباشر وتغيير أنظمتها السياسية مستغلة بذلك منبر الأمم المتحدة ووكالة الطاقة الدولية تارة أخرى.
 
- اتخاذ الصراع الطبقي القائم في عصر العولمة أشكالاً متعددة، منها الصراع بين عمال وكادحي كل دولة ومستغليهم من رأسماليين من جهة، وبين شعوب العالم والإمبريالية الأمريكية من جهة أخرى، وكذلك بين الشمال والجنوب.
 
 إن هذا الوضع يتطلب المزيد من التضامن بين الشعوب من أجل رفض تنميط العالم وإخضاعه لمركز واحد يدار من خلاله، وفي هذا الإطار تكتسب أهمية خاصة الحركة العالمية الآخذة في النمو ضد العولمة مثل المنتدى الاجتماعي العالمي وسواه من أطر وهيئات، وكذلك حركات الدفاع عن البيئة، والحركات المعبرة عن النساء والأقليات والقوى المهمشة باعتبارها شكلاً من أشكال مواجهة الرأسمالية المتوحشة التي لم يؤد مشروعها إلا لزيادة رقعة الفر لدى الشعوب وتوسيع الفجوة بين الدول الغنية والدول الفقيرة.
 
وتزداد أهمية وحدة قوى التقدم والديمقراطية والسلم في العالم وذلك من خلال تقوية العلاقات الأممية الكفاحية للأحزاب الديمقراطية والتقدمية في العالم أجمع.  كذلك الانخراط بصورة فاعلة ضمن حركات المناهضة للعولمة وإنضاج وتكريس مفهوم وواقع العولمة البديلة وتشكيل الجبهات التي تضم جميع قوى السلم والتقدم والديمقراطية على المستوى الإقليمي والقاري والعالمي.  وبديل العولمة الرأسمالية ينبغي أن يكون مشروعاً شعبياً يطور وعياً عابراً للقوميات وإستراتيجية سياسية عالمية ملازمة لها تربط المحلي بالقومي والقومي بالعالمي.  كما ينبغي أن يتضمن تعميق الممارسة الديمقراطية في المنظمات الشعبية والنقابات والأحزاب السياسية ومؤسسات الدولة والحركات الاجتماعية الجديدة، بما يسهم في المزيد من حيويتها وضخ دماء وأفكار جديدة في صفوفها. 
  
  

 

    
إنتهـــــــــــــــــــــــــــــــى


Printable Version 
Page 14 of 14 << < 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14